المتابع للمشهد اللبناني يرى ان ايدي الفتنة لم تصل بعد الى مرحلة اليأس ، وما زالت تعمل وفي سباق مع الوقت لاعادة عقارب الساعة الى الوراء.

فالتفجيرات التي حدثت في طرابلس امس ، وأدت الى مقتل مواطن واصابة عشرين اخرين بجراح ، جاءت بعد ان خيم الهدوء على المشهد اللبناني كله ، اثر اتفاق كافة الاطراف على وأد الفتنة ، ودخول الجيش الى عاصمة الشمال ووضع حد للاشتباكات بين الموالاة والمعارضة.

ومن هنا فما حدث يستدعي وقفة متأنية ، في محاولة للوقوف على اسباب عدم استكمال تطبيق اتفاقية الدوحة ، وما هي الاسباب التي حالت وتحول دون تمكين فؤاد السنيورة من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ، بعد الاتفاق على ان يكون للمعارضة الثلث الضامن.

العارفون ببواطن الامور في لبنان يؤكدون ان تعثر السنيورة ، ليس بسبب الاختلاف على اقتسام حقائب السيادة الاربع: المالية ، الخارجية ، الدفاع والداخلية ، وانما لاسباب اكبر وأخطر وتعود في معظمها الى عدم رضا قوى محلية وخارجية عن اتفاقية الدوحة ، واصرارها على تفجيرها من الداخل ، ومن هنا عملت على وضع العصا في دواليب تشكيل الحكومة ولا تزال ، بعد ان عملت على اشعال الفتنة في طرابلس حيث قتل تسعة اشخاص وجرح نحو خمسة واربعين في مواجهات جرت الاحد والاثنين الماضيين ، بين مسلحين من باب التبانة والقبة ، اللذين تقطنهما غالبية من السنة ، وبين مسلحين في جبل محسن الذي تقطنه غالبية من العلويين ، كما حدثت مواجهات في البقاع.

ان استمرار المواجهات بين انصار المعارضة والموالاة ، وتعثر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية رغم مضي اكثر من شهر على تكليف فؤاد السنيورة بتشكيلها ، يؤكد ما اشرنا اليه ، ويؤكد ايضا ان لبنان الشقيق لم يزل يراوح بين الانفجار والانفراج.

ان الواقع اللبناني المأزوم يستدعي جهودا مخلصة من ابنائه ، ومن اشقائه العرب ، لانقاذ اتفاقية الدوحة قبل ان ينجح اعداء لبنان في تفخيخها ، والعودة بالقطر الشقيق الى مربع الاقتتال الداخلي.

لقد جرب الاشقاء اللبنانيون الحرب الاهلية طيلة خمسة عشر عاما ، واكتووا بنيرانها ووصلوا الى قناعة بضرورة العودة الى صيغة الاباء المؤسسين «التعايش السلمي» كونها الصيغة الوحيدة القادرة على الحفاظ على وحدة لبنان واللبنانيين ، وتجذير الديمقراطية والتعددية ، بعد ان ثبت ان كافة الفرقاء وامراء الحرب ، لم يحققوا اهدافهم ، وان لا بديل امامهم سوى العودة الى طاولة الحوار تحت سقف «لا غالب ولا مغلوب» ، والاحتكام الى الوفاق الوطني.

مجمل القول: ما يجري في لبنان ، يوحي بان القطر الشقيق ، قد دخل منعطفا خطيرا ، وان ايدي خفية محلية واقليمية ودولية تعمل على تفشيل اتفاقية الدوحة ، والعودة بالقطر الشقيق الى مربع الازمة.