بعد حرب الخليج الثانية وما صاحبها من قلاقل سياسية واجتماعية وثقافية، ظهرت على سطح المجتمع الخليجي قوى وتيارات أصولية متشددة لم تكن نبتا طارئا، بل كانت نتاج تراكمات تخمد أحيانا وتنشط في أحيان أخرى حين تسمح الظروف لها بمد رأسها خارجا.
بعض هذه التيارات وصلت للصدارة داخل الأجهزة الحكومية، و لم تنفرد بجهاز واحد بل تمددت هذه السلطة في جميع مرافق الدولة من وزارات التعليم العام والجامعي والصحة والتجارة ومرافق الدولة العامة، ولم يعد بالإمكان أن تعمل هذه المرافق دون أن يكون لرأي هذا التيار سطوة عليه ومناكفة.
وأحيانا مصادمة وتعطيل، كما يحدث اليوم في السعودية، وفي البرلمان الكويتي، وفي أماكن أخرى من الخليج لم تتمكن هذه التيارات سوى من العمل المدني والاجتماعي وما يصاحبه من عمليات جذب تثقيفية ومشاركات خيرية وظهور إعلامي يعبئ الجمهور ويظهر لهم بصورة «سفينة النجاة» في خضم بحر الضياع المتلاطم، الأمر المهم هنا هو أن هذه التيارات تجد ترويجا لافتا للنظر إعلاميا واجتماعيا.
فكل رمشة وكل همسة منه، تلقى دويا هائلا في وسائل الإعلام، فلو كتبت جماعة لا تتعدى الستة وعشرين رجلا بيانا يعترضون فيه على مباراة لكرة قدم نسائية بين طالبات في إحدى الجامعات لانتشر هذا البيان في الآفاق الإعلامية والاجتماعية والدولية، ربما كما يلقى خبر تكفير كاتبين من الضجيج ما يلقاه خبر نجاح أوباما في الانتخابات.
ولو كتبت جماعة من عشرين معارضا خطابا للملك يعترضون فيه على التلفزيون المحلي الذي يظهر مذيعة سافرة الوجه، ولو اعترض هذا التيار على استضافة ناد لمسرحية أو أديب حداثي لانتشر صدى هذا البيان في كل حدب وصوب.
على عكس ما تلقاه البيانات التي تطالب بحق عام يعتبر في نطاق تنمية المجتمع، مثل مطالبة سيدات الأعمال بالاعتراف من الجهات الاقتصادية أو خطاب ما يزيد عن مئة سيدة لوزير الداخلية السعودي بطلب استخراج رخصة قيادة، أو المطالبات بفتح الأندية أو العمل عن استصدار قانون للأحوال الشخصية، أو ذلك البيان الذي يرفع للمقام السامي طلبا بمحاكمات علنية، وتصحيح جهاز القضاء أو محاسبة الفساد، إلخ.
مثل هذه المطالب التي ترتبط ارتباطا وثيقا بمصالح المجتمع تبقى بعيدة عن الضوء ولو مسها الضوء لظلت في نطاق الهمس والتحجيم، فهل هذه المبالغات في استقبال قضايا التيارات المتشددة هي محاول للترويج وإيهام الناس بأنهم هم من يحكم الرأي العام ويسيطر عليه ويملك القوة فيه، وانهم يمثلون الأغلبية العظمي؟!
الأمر الثاني هو أن مثل هذه التيارات تروج أن وصولها بنجاح لقيادة الرأي العام ومنابره يعطيها الحق بأن تمارس حجب أصوات الآخرين بحجة أنهم اقلية، وأن الديمقراطية تمنحهم حق إعلان آرائهم والحكم بالرأي الواحد، ومنع التعددية، دون أن تفطن أن الديمقراطية -التي تحارب باسمها اليوم وهي من حاربها بالأمس، وشوه مفاهيمها، وغير مضامينها-، أهم مبادئها أنه «لا يستفتى على حق».
فليس من حق الذين يصلون للحكم من هذه التيارات أن يسلبوا الناس حقوقهم فلا تصويت على حق تكفله القوانين الدولية، أو على حق يمنحه الدستور، وليس من حق هذه التيارات أن تمنع المواطن رجلا كان أو امرأة من العمل ومن التعليم ومن المشاركة السياسية مثلا، فهذا حق مكفول لكل مواطن ولا مساس به.
كما أن ممارسة الوصاية على الناس، وتجهيلهم والتدخل في شؤونهم، ليس من عمل الديمقراطية، ولا من حق العمل الحكومي الذي يمارس أحيانا بدعم من القانون، فالقانون هو ما يكفل حماية الناس، وليس القانون هو ما يمكن من المساس بأمن المواطن النفسي أو الجسدي.
ثالثا وهو الأهم : ما هي برامج عمل هؤلاء الذين يزعمون أنهم يقفون على قاعدة من الدعم الجماهيري ويرفعون شعارات التقوى والصلاح لخير الناس والمجتمع، حين يستلمون عادة زمام السلطة أو يجلسون على كرسي البرلمان؟!
إنهم يشعلون ويشغلون الرأي العام بقضايا من الشكلانيات تضيع وقت الحكومة والناس، مثل الاعتراض على حق توزير النساء في الدولة، أو نيلهن الحق السياسي، ثم يُشغلون الناس والدنيا بقضية حجاب الوزيرة، أو عمل النساء في محلات نسائية لبيع الملابس الداخلية، أو مشاركة نانسي عجرم في حفلات ومهرجانات محلية تقام كل عام، أو المطالبة بمنع مسلسل تلفزيوني من العرض.
هذه القضايا هي وحدها التي تستنفد وقت هذه التيارات وتضيع وقت المخططين والباحثين والمتطلعين للسير قدما، يضطر المجتمع بكل فئاته للدخول في ثرثرة وسفسطات لإثبات أو نفي ما هو حق للناس، ورفع الوصاية عنهم. واثبات أن المجتمع لا يستوي من غير حقوق، وان الحقوق والتنمية لا تفرق بين النساء والذكور، كحق التعليم والعمل وأن احترام الإرادة الحرة والعقل هي حقوق أيضا للناس !
إن الاشتغال بقصقصة حقوق الناس وتشذيبها وتبديدها لن يذكرنا بغير تجربة حزب طالبان الذي لقي في يوم من الأيام هوى في نفوس الكثيرين، و الذي حين وصل للحكم، كان أول بيان له إغلاق التلفزيون، ومنع الرجال من قص لحاهم، ومنع النساء من التعليم، ومنع الشباب من تربية الحمام!
هذه هي البرامج التنموية الذي يُشغل بها الناس، في تجارب التيارات المتشددة في البلاد العربية، لكنها في نهاية الأمر تبديد لوقت المجتمع وأجهزته عن ما هو أهم من قضايا الفساد المتزايد والبحث عن حلول للبطالة والتضخم الاقتصادي، والتعليم الذي يزداد تخلفا، و جيوب الإرهاب التي تزداد انتفاخا، الخ، فلمصلحة من يتم كله هذا، وهل حلها في منع نانسي عجرم أن تغني في محافلنا «أخاصمك آه أسيبك لا. لا.لا».؟!
كاتبة سعودية