كلما قرأت نتائج استطلاع رأي أميركي تشير إلى تقدم المرشح الديمقراطي باراك أوباما على المرشح الجمهوري ماكين، قلت : ربنا يستر!، لا أقصد فقط ما كانت هيلاري كلينتون تنتظره وهي تتمسك بالاستمرار في المنافسة مع أوباما حتى آخر لحظة أملا في اغتياله (كما أشارت في خطأ اعتذرت عنه بعد ذلك) ولكني أقصد ما يتعلق بنا كعرب وبمستقبل منطقتنا المفتوح على كل الاحتمالات.

نعم.. تعيش المنطقة الآن حالة هدوء نسبي، وبقرار أميركي مستغرب من الكثيرين بعد سنوات من العيش في ظل سياسة إثارة »الفوضى« التي كانت واشنطن تبشر بأنها الفوضى الخلاقة التي ستضع المنطقة على قطار الديمقراطية والإصلاح، فإذا بها الفوضى التي تدمر والتي وضعت حتى المصالح الأميركية نفسها في دائرة الخطر.

وأيا كان الهدف من وراء سياسة التهدئة التي لجأت إليها واشنطن أخيرا ، فإن علينا أن نعي جيدا أن المنطقة مازالت ــ وستبقى لفترة طويلة ــ في قلب الخطر، وأن حالة التهدئة لا ينبغي أن تقودنا إلى حالة من الاسترخاء الخطر.

في الظروف العادية تعاني أميركا (ويعاني العالم معها) من الشهور الأخيرة في ولاية الرئيس الأميركي، حين تتحول الإدارة الأميركية إلى »بطة عرجاء« عاجزة عن اتخاذ القرارات المصيرية.

وحين يكون هناك فراغ يمكن استغلاله من قوة معادية لتوجيه ضربة، أو من قوة حليفة لتفعل ما تراه في مصلحتها وحدها حتى لو كان يتعارض مع سياسة واشنطن نفسها (كما حدث في حرب السويس عام 1956) وبالطبع فنحن نرى الآن شيئا من ذلك في منطقتنا من القوى المناوئة لأميركا ومن أقرب حلفائها رغم مناخ الهدوء النسبي السائد حتى الآن.

ولكن الجديد هذه المرة اننا أمام إدارة أميركية تعتمد سياسة القوة وتخوض حربا غير محددة المعالم على ما تسميه »الإرهاب العالمي«. والجديد أيضا اننا أمام حالة أصبح فيها الوجود العسكري الأميركي في المنطقة وبصورة غير مسبوقة عاملا أساسيا في التعامل مع صراعات المنطقة ومشاكلها من ناحية وفي حسم معركة الرئاسة الأميركية نفسها من ناحية أخرى.

والجديد أيضا اننا أمام إدارة تغلف سياستها برداء ديني متشدد، ورئيس يعتبر نفسه مكلفاً برسالة إلهية يخوض بمقتضاها حربا مقدسة لا حدود لها ولا قيود عليها.

ومن هنا فإن أمامنا ــ رغم الهدوء الظاهري ــ شهورا ساخنة ومليئة بكل الاحتمالات. ومن هنا أتوقف عند كل استطلاع رأي يظهر تقدم أوباما حتى الآن، متوقعا أن يفعل الرئيس الأميركي أي شيء ومهما كان الثمن من أجل مواجهة ذلك، وبهدف الإبقاء على حظوظ المرشح الجمهوري ماكين في خلافته قائمة.

وليس فقط انطلاقا من مصلحة شخصية في ألا يحاكم سياسيا على أخطائه لو فاز أوباما، وليس فقط من باب الولاء الحزبي، وإنما الأخطر ــ في حالة بوش ــ أن يعتبر فوز ماكين جزءا من »التكليف الإلهي« الذي قاد به أميركا والعالم إلى حربه »المقدسة« في العراق بكل أخطائها وكوارثها وويلاتها.

ومن هنا ينبغي أن نتوقف ــ كما توقفت الأوساط السياسية الأميركية نفسها ــ عند التصريح الخطير لأحد أهم مساعدي السيناتور ماكين والذي قال فيه ان وقوع عمل إرهابي في الولايات المتحدة سيساعد المرشح الجمهوري في معركته الانتخابية بسبب صلابته في موضوع الأمن القومي!

فإذا ربطنا ذلك، مع الإشارات المتضاربة من جانب واشنطن بشأن الملف الإيراني، فنحن في وضع مفتوح على كل الاحتمالات الخطيرة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأميركية عن فتح مكتب لرعاية المصالح الأميركية في طهران ليكون أول تواجد دبلوماسي أميركي هناك منذ قطع العلاقات بعد الثورة الإسلامية، تأتي إشارات التحذير من أكثر من جانب.

وفي الوقت الذي مازالت القيادات العسكرية ترفض الانخراط في حرب جديدة، ومع رأي عام يعاني من الآثار الهائلة لمأساة حرب العراق اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، يبدو ملفتا أن يعلن رجل مثل جون بولتون مندوب أميركا السابق في الأمم المتحدة وأحد صقور السياسة الأميركية المقربين من الرئيس الأميركي انه يرجح توجيه ضربة عسكرية لإيران قبل رحيل بوش!

ويبدو ملفتاً أكثر ما نشر عن خطاب رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب الأميركي »جون كونيارز« للرئيس الأميركي والذي يهدد فيه باتخاذ الإجراءات لتنحيته لو أقدم على الحرب مع إيران! وهو خطاب لا يمكن أن يصدر إلا إذا كانت هناك دلالات على أن الحرب أمر مطروح وبجدية في الكواليس الرسمية!

فإذا أضفنا إلى ذلك موقفا إسرائيليا ثابتا ومتشددا تجاه الملف النووي الإيراني، ومع اليقين بأن إسرائيل لا يمكن أن تتحرك وحدها دون تغطية كاملة وشاملة من أميركا لن تكون متوفرة بعد رحيل بوش..

فإننا أمام شهور مليئة بكل احتمالات الخطر التي تجعل حديث رئيس هيئة الطاقة النووية الدولية محمد البرادعي عن »كرة اللهب الجديدة« التي ستجتاح المنطقة إذا تم ضرب إيران أكثر من مجرد تحذير لأميركا..

انه قرع للأجراس حتى ينتبه العالم كله إلى حجم الخطر، ويتكاتف الجميع لإيقاف كرة اللهب التي يمكن أن يتم إشعالها بهذا »العمل الإرهابي« الذي تمنى مساعد المرشح الجمهوري وقوعه في الولايات المتحدة ليساعد ماكين على النجاح في الانتخابات ويساعد الإدارة الأميركية على المضي في حربها »المقدسة« التي تظل ــ رغم مظاهر التهدئة ــ هي الأساس منذ دخلت البيت الأبيض وحتى آخر يوم فيه!

كاتب صحافي

elsadattt@hotmail.com