منذ إعلان «الاتحاد الأفريقي» بدأ السعي الإفريقي نحو النهضة والتنمية في ظل الروح السياسية الجديدة لاستعادة الذات التي تسود القارة ليفرض على القوى العالمية المتنافسة للهيمنة والنفوذ السياسي والاقتصادي على الثروات الكامنة في أفريقيا التراجع عن سياساتها الاستعلائية والاستعمارية السابقة، وإعادة صياغة السياسات الجديدة والأطر الجديدة لعلاقاتها المتقاطعة مع قارة الفرص الواعدة بهدف عرقلة اكتمال بناء الاتحاد الأفريقي وانقسام القارة ..
وبينما كانت أوروبا في عهود الاستعمار هى المسيطر الوحيد على عموم أفريقيا وكان التنافس على السيطرة أوروبيا بين النفوذ البريطاني والفرنسي، بدأ التواجد الروسي والصيني في القارة في مواجهة السيطرة الأوروبية مع تفجر حركات التحرير وبداية عصر الاستقلال خاصة في الستينات في ظل الحرب الباردة التي ما إن انتهت لصالح أميركا حتى بدأت الالتفات إلى القارة لوراثة النفوذ الاستعماري الأوروبي الذي ظلت فرنسا محافظة عليه ولمواجهة النفاذ الروسي والصيني .
وبينما كان السعي الأميركي إلى إفريقيا يبدو جزءا من أجندتها الكونية، كان التشبث الفرنسي باستمرار الوجود في أفريقيا هو انعكاس لأجندتها القارية، وبدأت أميركا التحرك الاستراتيجي لتنفيذ الأجندة الكونية في أواخر الثمانينات بدراسة خطط النفاذ الجديد، بجولات لوزيري التجارة والخارجية سبقت جولة كلينتون الأفريقية لإبعاد النفوذ الأوروبي والروسي والصيني عن أفريقيا ومحاولته وراثته خالصا لأميركا.
وبينما تراجع النفوذ البريطاني في القارة مع تمدد النفوذ الأميركي، حدث العكس بالنسبة للنفوذ الفرنسي التي أبقت عددا من القواعد العسكرية، ووسعت من علاقاتها بأفريقيا الفرنسية من خلال المنظمة «الفرانكوفونية» لتتجاوزها إلى تدعيم علاقاتها الخاصة بدول أفريقيا غير الفرنسية بأجندة قارية، الأمر الذي تبلور في القمم الفرنسية الأفريقية الأربع والعشرين منذ السبعينات.
ويمثل مشروع الاتحاد الأورومتوسطي الذي كان مشروعا فرنسيا تبناه الرئيس ساركوزي في الأساس لإعادة النفوذ الفرنسي على غرب أفريقيا ودول المغرب العربي و شرق المتوسط، وبعدما رفضته ألمانيا لأنه يقسم أوروبا وحولته إلى مشروع أوروبي، تستعد باريس منتصف الشهر القادم لاستضافة قمة لإطلاقه، فإن هذا المشروع يواجه معارضة الدول الأفريقية المتوسطية الواعية مثل ليبيا والجزائر لأهدافه الساعية لتقسيم العرب وتقسيم أفريقيا.
وأهمية أفريقيا تبدو في كلام الرئيس الفرنسي السابق شيراك في آخر قمة دولية أفريقية فرنسية يحضرها بأنه في ظل النهضة النامية للاتحاد الأفريقي فإن على العالم من الآن فصاعدا أن يحسب حسابا لأفريقيا وقال إن إفريقيا غنية لكن الأفارقة ليسوا أغنياء، والثروة التي تملكها من المعادن والخامات والغابات موارد طبيعية تعزز التنمية لكنها تثير المطامع، ومع ذلك فإن العالم الجديد الذي يرتبط فيه مصير الشعوب لا يمكن أن ينعزل مستقبله عن مستقبل أفريقيا .
وبينما يبدو النفوذ الأميركي غير مرحب به في القارة بفعل سياسة القوة العسكرية، والهيمنة السياسية، يتمدد بقوة النفاذ الصيني والروسي والفرنسي لملاحقة النفاذ الأميركي . وإذا بدا الاهتمام العالمي المتزايد لترتيب علاقات استراتيجية مع القارة الناهضة من جانب الدول الكبرى المتنافسة على النفوذ والاقتصاد ومصادر الطاقة في العالم،خصوصا ذلك التنافس الأميركي الأوروبي وخصوصا الفرنسي،فأين التحرك الاستراتيجي العربي.. ولماذا التباطؤ العربي في التكامل مع أفريقيا؟