فيما تدخل الأزمة الحكومية اللبنانية شهرها الثاني، يرتفع منسوب التفاؤل بقرب ولادة الوزارة الجديدة. الترجيحات أنها ستكون ولادة طبيعية؛ في غضون يومين، أو ثلاثة؛ على الأكثر. وربما أقل. وثمة من يتحدّث عن ولادة قيصرية، إذا تعذرت الطبيعية؛ على أساس أن العملية لم تعد تحتمل الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها.

ثم أن التركيبة باتت في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة عليها؛ وفق ما أجمعت عليه تقارير العاصمة اللبنانية ومصادرها. لكن قبل أن يجف حبر هذه البشائر، تعود نغمة التعقيدات لتطغى، من جديد، على المشهد. الأخطر أن تراجع الأمل سرعان ما يعقبه توتير أمني، يهدّد بالانفلات؛ وفي الوقت ذاته، بإضافة المزيد من التخريب والعرقلة، على المساعي السياسية للخروج من الأزمة.

آخر حلقة من هذا السيناريو، الذي أنهك البلد، كان أمس في تفجير بناية، بمدينة طرابلس؛ التي شهدت قبل أيام جولات عنف أدّى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى. التعثّر في تنفيذ البند الثاني من اتفاق الدوحة، تجاوز الحدود المعقولة والمقبولة. المساومات، في مثل هذه الحالات؛ جزء مفهوم من اللعبة السياسية. لكن لها حدودها وتخومها.

وفي وضع شديد الهشاشة كالوضع اللبناني، لها خطوطها الحمراء. التمادي فيها مكلف وبدرجة لا تطاق. بل قد تصبح مغامرة انتحارية. أصوات عديدة، تحدثت بلغة التحذير شديد اللهجة؛ وحثت على وجوب الإسراع في تجاوز المأزق، الذي، حسب تقديرات لبنانية متعددة، بات على قاب قوسين من الوقوع في «قعر الزجاجة»، على حدّ تعبير رئيس مجلس النواب اللبناني.

وربما كان التخوف الحقيقي، من بلوغ هذه النقطة، هو الذي كان وراء كثافة الاتصالات والتحركات، التي شهدتها بيروت؛ وإلى حدّ ما المنطقة وعواصمها المعنية. وما يشجع على التمسك بالتفاؤل والاستمرار في ترجيح كفته، أن جميع المواقف، تقريباً، تتقاطع عند الإحساس بوجوب الإسراع في حسم مسألة الحكومة.

والضغوط في هذا الاتجاه، لا تخطئها العين. التلاقي المتزايد، حول هذا الأمر؛ يعزّز احتمالات نضوج الطبخة الوزارية؛ في الساعات المقبلة. لكن توفر ما يشبه الإجماع، بهذا المعنى، لا يشكل صمام أمان بحد ذاته. الأجواء الإيجابية السائدة، على أهميتها الفائقة باعتبارها بضاعة كانت نادرة في الأزمة اللبنانية، تبقى تحت رحمة الحالة الأمنية المعروفة. أحداث طرابلس وما سبقها في مناطق لبنانية أخرى، خلال فترة التكليف بتشكيل الحكومة، تؤكد ذلك.

السباق، في ضوء ذلك، على أشده؛ بين الدفع باتجاه الخلاص من الأزمة الحكومية وبين الدفع باتجاه التفجير. شعرة تفصل بين الاثنين. الإطاحة بهكذا فرصة وعند هذا المفصل من الأزمة، خطيئة لا تغتفر؛ يدرك الجميع مدى خطورتها؛ بقدر ما يعرف أن الفسحة أمام اللحظة الراهنة، ضيّقة؛ وأن خير البرّ عاجله.