لا مصلحة لأحد في إنهيار التهدئة التي تواصلت في قطاع غزة لمدة ستة أيام، ثم طرأت تطورات ميدانية أدت في النهاية إلى إعادة إغلاق المعابر لليوم الرابع على التوالي بين اسرائيل وقطاع غزة بقرار اسرائيلي يبدو أنه كان جاهزا ولم يكن يحتاج الا إلى ذريعة مهما كانت متهافتة او صغيرة او عابرة.

ما أعاد إلى الأذهان هشاشة الأوضاع ورغبة اسرائيل في احكام الحصار على سكان القطاع الذين عانوا طوال عام ونصف من حصار صارم وغير قانوني وكان بمثابة عقاب جماعي، لم تعر خلاله اسرائيل أية أهمية أو احترام للقانون الدولي وشرعة حقوق الأنسان وإتفاقية جنيف الرابعة وواصلت عمليات القصف والتجريف والقتل والاجتياح ومنع الغذاء والدواء وقطع التيار الكهربائي وامدادات الوقود ورفض السماح للمرضى ولطلبة الجامعات بالمغادرة للعلاج سواء في اسرائيل أم عبر معبر رفح الحدودي الذي يفصل بين القطاع وجمهورية مصر العربية..

واذ باتت المعابر مغلقة الآن أو تم اعادة فتحها جزئيا يوم أمس الجمعة بعد أن تم فتحها في الأيام الستة الاخيرة وتم إدخال المواد الغذائية والوقود والأدوية وان كانت بنسبة أقل بكثير من المطلوب لتلبية إحتياجات مليون ونصف المليون مواطن غزيّ وصلت ضائقتهم حدودا غير مسبوقة..

استمرار التهدئة والمحافظة عليها ليست مصلحة فلسطينية فقط وإنما هي ايضا مصلحة اسرائيل، والطرفان في حاجة اليها ما يعني أن محاولة اسرائيل الظهور وكأنها تقدم ''منّة'' للفلسطينيين تبدو تكريسا للغطرسة اكثر مما تعكس رغبة في التعبير عن موقف سياسي أو أمني..

صحيح أن التهدئة تمت في إطار قطاع غزة ولم تشمل الضفة الغربية المحتلة الا أن مواصلة اسرائيل عمليات القتل والاغتيالات والاجتياحات وآخرها اغتيال ناشط فلسطيني وزميله قال شهود عيان انها كانت عملية اعدام وقتل بدم بارد انما تستدرج ؟ او هي هدفت ؟ إلى استدراج رد فعل فلسطيني غاضب كانت تنتظره اسرائيل للتنصل من التزاماتها وإعادة موضوع إغلاق المعابر والتلويح بعملية عسكرية واسعة في القطاع إلى جدول الأعمال الاسرائيلي الذي يشهد صراعا محتدما بين أجنحة الحكم واحزابه وبين تلك والمعارضة.

وفي ضوء إحتمالات حدوث تغيير دراماتيكي في المشهد السياسي والحزبي الاسرائيلي اذا ما اطيح ايهود اولمرت وحلت شخصية اخرى من حزب كاديما مكانه او تم الذهاب إلى انتخابات مبكرة قد تأتي بالليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو إلى السلطة..

يحسن الفلسطينيون في قطاع غزة صنعا اذا ما سحبوا الذرائع من تحت أقدام اسرائيل التي وجدت في خرق التهدئة فرصة للتنصل من التزاماتها وإعادة اقفال المعابر كما تخطئ حكومة اولمرت اذا ما اعتقدت أن مسارعتها لاغلاق المعابر واطلاق التهدئة بعملية عسكرية واسعة يمكن أن تسهم في توفير الأمن والهدوء لاسرائيل وعليها أن تستخلص الدروس والعبر ليس فقط من سنوات الإحتلال الطويلة للضفة والقطاع وانما ايضا مرور سنتين ونيّف على انسحابها من قطاع غزة واستخدامها كل ما في ترسانتها العسكرية من أسلحة وقدرات دون أن تحرز شيئا يذكر في الميدان.