ربما نستطيع أن نفهم أسبابا لتوجه الرئيس ساركوزي بالتخلي عن سياسة الاستقلال الفرنسية والتي كانت أساس المكانة والهيبة الفرنسية خصوصا في العالم العربي، حينما رأى الوريث الأميركي يستولى على مناطق النفوذ الفرنسية.

ولهذا رسم خارطة تحركه الجديد بركوب القطار الأميركي للوصول به إلى محطات النفوذ الفرنسية في أفريقيا والعالم العربي من جديد فكانت زيارته الأولى لأميركا وخطابه المفعم بالعواطف الحميمة في محاولة لكسب قلب أميركا ولو على حساب قلب فرنسا لإعادة فتح الطريق المسدود بين واشنطن وباريس، وصولا إلى بيروت ودمشق وبغداد وتونس والرباط التي حال النفوذ الوريث بينها وبين باريس .

وحين رأى أن كسب قلب أميركا مشروط بكسب قلب إسرائيل وأن كسب قلبهما معا مشروط بالعودة للأطلسي والانخراط فى السياسة التقليدية الصهيوأميركية لإدانة المقاومة الوطنية تحت اسم محاربة الإرهاب ومجابهة الخطر الموهوم للبرنامج النووي الإيراني السلمي!.

وحين رأى ساركوزي أن أحلامه في إعادة النفوذ الفرنسي عبر مشروعه الفرنسي للاتحاد مع المتوسط، أو عبر المشروع الأوروبي لإلحاق دول المتوسط العربية بأوروبا يصطدم بإسرائيل.

وأن نجاحه مشروط بحل مقبول للقضية الفلسطينية يتيح إحلال سلام ما في المنطقة وجد نفسه في اختيارات صعبة لذا جاء خطابه في الكنيست الإسرائيلي محاولا كسب قلب الجميع وهو أمر مستحيل، ولهذا كان خطوطا متقاطعة بعضها رسائل لإسرائيل وبعضها رسائل للعرب وبعضها رسائل لإيران وربما كانت كلها في الواقع رسائل لأميركا.

قال الرئيس الفرنسي لأصدقائه الإسرائيليين الكثير من عبارات الغزل والدعم والتأييد على طريقة صديقه الرئيس الأميركي بوش لتأكيد أنه بعكس سلفه الرئيس شيراك هو الأكثر صداقة لهم، ما لا يمكن قبوله من الفلسطينيين ولأمن العرب، ولكن يمكن تفهمه.

وأسدى لهم من النصائح السياسية، وأعاد تذكيرهم بعدد من الحقائق الواقعية عن لا جدوى منطق القوة وجدوى منطق الحوار، ومصلحتهم في السلام و استحالة السلام مع الاحتلال والاستيطان ما لا يمكن قبوله من الصهاينة، بما يمكن تقديره عربيا وإسلاميا.

ولكنه بحديثه النووي عن برنامج إيران بينما لفرنسا برنامجها النووي وبما لا يمكن قبوله من الإيرانيين، وبتجاهله لقنابل إسرائيل ولفرنسا مسؤوليتها فيها بما لا يمكن قبوله من العرب والمسلمين، فلقد استدعى العديد من الأسئلة، فلماذا يتناسى ساركوزي خطورة برنامج إسرائيل العسكري الذي يهدد بتدمير كل المنطقة العربية والإسلامية؟

ولماذا يتجاهل مسؤولية فرنسا في تزويد إسرائيل بمفاعل ديمونة الذي أنتج البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي؟ ألم يسمع ساركوزي تصريح الرئيس كارتر بملكية إسرائيل 150 قنبلة نووية، بينما تقول التقارير الدولية للطاقة أن إيران لا تملك قنبلة واحدة؟! وكيف له أن يقول إن إيران بسلاح نووي تشكل تهديدا لإسرائيل هو أمر غير مقبول لبلاده؟ فهل المقبول فقط لبلاده أن تهددنا إسرائيل بما تملكه من قنابل نووية؟!

ولماذا تشدد أوروبا العقوبات على إيران وتفتش في سوريا وتكافيء إسرائيل في الاتحاد الأوروبي.. ولماذا تتناسى فرنسا رئيسة أوروبا أن ما ثبت حتى الآن هو أن برنامج إيران النووي سلمي وليس عسكريا ولا تدين إسرائيل لعدوانها على سوريا؟

ولماذا تجاهل أن البرنامج العسكري النووي موجود فقط في إسرائيل بمساعدة فرنسية في الأساس وبريطانية وأميركية بعدها، وليس في العراق ولا في إيران.. وأخيرا ليس في سوريا؟!!

mamdoh77t@hotmail.com