لعله التحرك الجماعي الأول من نوعه ضد ظاهرة الخصخصة المنتشرة والمتنامية في غالبية الدول العربية. التحرك يتجسّد في بيان صدر عن 150 شخصية أردنية، بينهم رئيس وزراء سابق (أحمد عبيدات) ووزراء سابقون ونواب برلمانيون ومفكرون ومحامون.

ورغم أن ما ورد في البيان ينحصر في الحالة الأردنية، إلا أن مضمونه بشأن الخصخصة وآثارها ودوافعها ينطبق بالكامل على دول عربية أخرى، بل وينطبق أيضاً على غالبية دول العالم الثالث.

أصحاب البيان يدعون إلى وضع حد لسياسة الخصخصة، قائلين إن تطبيق هذه السياسة أسهم في «تفكيك جهاز الدولة وإفراغ مؤسساتها من محتواها وتوظيف هذه المؤسسات بالكامل لصالح رأس المال الأجنبي».

هذا تشخيص لا شك في صحته، والحقيقة الثابتة التي ينطلق منها هي أن ظاهرة الخصخصة في العالمين العربي والثالث عموماً تقع في إطار مشروع أميركي أكبر لفرض عهد جديد من الاستعمار في دول عربية ودول عالمثالثية عن طريق سيطرة رأس المال الأميركي الخاص على حركة الاقتصاد الوطني وبنياته الأساسية ووسائل إنتاجية كل من هذه الدول.

المعادلة النمطية المطبقة هي سلب جهاز الدولة من هيمنته المركزية على حركة الاقتصاد عن طريق تصفية القطاع العام باسم منهج الخصخصة كوسيلة مثلى لـ «الإصلاح». ومن ثم يجري تباعاً تنفيذ برنامج لبيع مؤسسات وشركات القطاع العام بشقيه الإنتاجي والخدمي.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: لمن تنتقل ملكية تلك المؤسسات والشركات؟

ظاهرياً تنتقل الملكية عن طريق عملية البيع والشراء إلى أصحاب رأس المال الوطني في القطاع الخاص، لكن ما يكشف للرأي العام أن الشركات الوطنية الخاصة التي تؤول إليها الملكية ليست سوى واجهة شكلية لشركات أميركية تمسك بالخيوط من وراء ستار، وخطورة الأمر لا تتوقف عند هذا الحد.

إذ إن النفوذ الاقتصادي الشامل الذي يكتسبه أصحاب رأس المال الأميركي باكتمال سيطرتهم على الاقتصاد الوطني يتحول إلى نفوذ سياسي تجري ممارسته عبر الشريحة «الوطنية» الجديدة التي تتكون من وكلاء أصحاب رؤوس الأموال الأميركية.

ومن هؤلاء الوكلاء المحليين وتابعيهم يجري تشكيل حكومات لا هاجس لها سوى تنفيذ مهمتين أساسيتين: أولاً، إصدار تشريعات متتالية لصالح رأس المال الأجنبي كالسماح بتحويل الأرباح بالكامل إلى الخارج. وثانياً، قمع التذمّر الشعبي، وهكذا يتلاشى نهائياً دور جهاز الدولة كسلطة مركزية للنهوض بالاقتصاد الوطني عن طريق التخطيط القومي والبرمجة التنموية.

هل نبالغ إذن إذا وصفنا ظاهرة الخصخصة في العالم الثالث عموماً بأنها استعمار مقنع؟

opinion@albayan.ae