لا يحتاج المرء إلى الكثير من التعمق لإدراك الحاجة الفلسطينية الملحة لإنجاح التهدئة التي جرى التوصل إليها بين إسرائيل وحركة «حماس» ومن خلفها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، فالوضع الفلسطيني يمضي من سيئ إلى أسوأ، نتيجة استمرار الخلافات بين حركتي «فتح» و«حماس» وعدم نجاح دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحوار، معطوفاً على فشل مفاوضات السلام مع الجانب الإسرائيلي في التوصل إلى قواسم مشتركة حتى الآن.

لكن ما يستدعي التوقف بشدة اليوم هو تبادل الأدوار بين «فتح» و«حماس» في قطاع غزة تبعاً لاعتبارات التهدئة والحكم، وهو ما تبدى واضحاً في التصريحات الفلسطينية بعد قيام «كتائب شهداء الأقصى»، الجناح العسكري لحركة «فتح»، بإطلاق صاروخين على «سديروت» أول أمس، وموقف «حماس» الذي عارض ذلك بشدة وصلت درجة التخوين.

وإن بدا في موقف «حماس» ما يبرره لجهة عدم إعطاء إسرائيل الذريعة لارتكاب انتهاكات جديدة بحق القطاع، فإن هذا الموقف بالذات هو الذي طالما دعا إليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومن قبله الشهيد الراحل ياسر عرفات.

إذاً باتت الصورة معكوسة اليوم، فحركة «حماس» التي تحكم قطاع غزة مجبرة على إلزام الفصائل بالتهدئة، فيما بدأت أولى إشارات التحدي تصدر عن الجناح العسكري لحركة «فتح» الذي اعتبر نفسه «غير معني» بالاتفاق الذي تم برعاية مصرية.

وليس من قبيل المبالغة في شيء القول ان مصير هذه التهدئة بات اليوم في يد «كتائب شهداء الأقصى»، ويكفي إطلاق بضعة صواريخ على جنوب إسرائيل لإعادة الأمور إلى المربع الأول، ولكن، من المؤكد أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة للتوصل لإقامة الدولة الفلسطينية، يسعى أيضاً لاستعادة اللحمة الوطنية.

وليس خافياً أن زيارته المزمعة إلى سوريا تصب في الاتجاه ذاته عبر محاولة إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالضغط على «حماس» لدفع الحوار الفلسطيني الداخلي إلى الأمام. وبالتالي فإنه بقدر ما تبدو «حماس» اليوم مطالبة بالتجاوب الفعلي مع دعوات الحوار الوطني الفلسطيني، تبدو حركة «فتح» معنية بإنجاح التهدئة إذا أرادت إنجاح الحوار الذي دعت إليه على لسان الرئيس الفلسطيني، لكل الفلسطينيين.