ليس مجتمعا فاضلا لا يخطئ من فيه، ولا ندعي المثالية، فننكر وجود الفساد والمفسدين فيه، أو خلو مؤسساتنا من مرتشين ومزورين، لسبب بسيط هو أننا بشر، والبشر فيه الطيب والخبيث والخير والشرير والقنوع والطماع والمخلص والخائن، لكن ألا تلاحظون أن الفساد استشرى بيننا كثيرا ولم يعد يقتصر على غير المواطنين، ـ كما كان في السابق ـ فكثرة قضايا الفساد هذه أبطالها من المواطنين.

نستكثر على هؤلاء ارتكاب هذه الجرائم ليس فقط من باب أنهم مواطنون، وبالتالي عليهم الحرص على مصالح الوطن والحفاظ على مكتسباته والأمانة في أداء الوظيفة، وغير ذلك من الأمور المهمة التي لا بد منها. إن إنسان هذه الأرض عاش مجبولا على القناعة، وعلى الحرص على سمعته والخوف من ارتكاب ما يسيئ إلى اسمه، لأنه ببساطة يصبح منبوذا بين أهله ومعارفه، في مجتمع على الرغم من التطور، وما صاحبه من تغيرات لا يزال محافظا، أهله متمسكون بقيم وثوابت لا تتغير، ولا يقبل بأي حال المساس بها.

المواطنون ليسوا ملائكة، فلا نتوقع منهم الوقوع في الخطأ، لكننا نستكثر ونستكبر ذلك عليهم، لأنه ليس من عاداتنا الإفراط في حقوق الوظيفة وخيانة الأمانة، لأننا نرى في إخلاصنا في عملنا وتفانينا فيه واجبا وطنيا نؤديه، لا يقل عن تلك الواجبات التي يؤديها الجندي في ميدان القتال، وأي مساس أو قصور في الأداء يعد خيانة تستوجب العقوبة، ومثلهم كذلك هؤلاء «المخالفون» الذين يظهرون بين موظفي الدولة بين الحين والآخر الذين يستغلون وظائفهم لتحقيق مآرب ومكاسب مادية.

نشكر في هذا الصدد كل المؤسسات التي تكشف حالات خيانة الأمانة التي تظهر بين موظفيها، ولا تكتفي بالإجراءات الإدارية التي تتخذها بحقهم، بل تقدمهم للسلطات المختصة لنيل الجزاء العادل على فعلتهم، وتعلن في شجاعة وجود مسيئين مع تأكيد رفضها لوجود أمثال هؤلاء بين موظفيها، في محاولات جادة لاستئصال هذه الآفة حتى لا تستفحل بينهم، بدلا من دفن الرؤوس والتستر على الفاسدين والفساد.

ولعل ما قامت به وزارة العمل منذ أيام، وقبلها الإدارة العامة لشرطة أبوظبي وإدارة الجنسية والإقامة في دبي وغيرها من الدوائر في الوقوف في وجه الفساد والمتعاملين به وتقديمهم للعدالة، إنما هو تقويم لواقع أعوج يحاول البعض بسطه في مجتمع كان يضرب به المثل في خلوه من هذه الممارسات، وهذه الأخلاقيات التي متى ما استشرت بين الناس ضاعت القيم وحلت لعنة على المجتمعات.

حرب ضروس يجب على المؤسسات والدوائر أن تخوضها ضد من لا يقيمون لواجبات الوظيفة وزنا ولا يعيرون الأمانة أي اهتمام فصار الواحد منهم يلهث وراء المادة، لا هم له سوى التربح من وراء خيانة الأمانة ضاربين عرض الحائط بأبسط ما ينبغي أن يلتزم به الموظف، وما يبديه حيال وظيفة تعطيه أكثر مما يعطيها.

fadheela@albayan.ae