نتيجة لتزايد فرص العمل في الدولة تستقطب بلادنا أعداداً متزايدة من العمالة الوافدة، يحاولون أن يجدوا فرص عمل في هذا لوطن العزيز لتحسين أوضاعهم المعيشية، ومد أسرهم بما يكفل لهم العيش الكريم.

وعلى الرغم من الملاحظات التي يبديها بعض المتحفظين على ما تسببه العمالة الوافدة من خلل في التركيبة السكانية، وهو الأمر الذي تحاول الدولة بشتى السبل أن تجد حلاً ناجعاً له، وأن تضع لهذه المشكلة المتفاقمة خطة تكفل الحد من أضرارها والتقليل من سلبياتها التي لا ينكرها أحد. على الرغم من ذلك فإن وجها آخر للمسألة قد ينجلي إذا أمعنا النظر والتأمل.

إنّ لهذا الوضع السلبي جانباً ايجابياً إذا نحن أحسنا الاستفادة منه وهو يتعلق بالجانب الثقافي والهوية الوطنية؛ فهذه العمالة الوافدة كتلة بشرية مهمة تنتشر في أقطار الأرض جميعاً، وهي قابلة لفهم ثقافتنا وحقيقة هويتنا الوطنية إن نحن أحسنا التخطيط لجعل هؤلاء الناس يسارعون إلى التعرف إلى هويتنا وحضارتنا، بل إن كثيراً منهم دائم السؤال عن واقع الوطن وتاريخه وهويته، مثلما هم تواقون لتعلم اللغة العربية وعاء الثقافة والتاريخ والحضارة والهوية.

وإذا كانت الأمم تسعى دائماً لنشر ثفافتها من خلال تأسيس المراكز المتخصصة لنشر هذه الثقافة على نحو ما نرى في المركز البريطاني والمركز الفرنسي والمعاهد والمراكز الألمانية والإسبانية والروسية والأميركية وسواها، فإننا مطالبون بأن نحذو حذو هذه الأمم لنشر ثقافتنا عن طريق تعزيز مكانة اللغة العربية وتأسيس المراكز والمعاهد التي تسعى لنشر هذه اللغة بين هذه الآلاف المؤلفة من الوافدين الذي يتوقون لتعلم هذه اللغة التي تبدو مفتاحاً يدخلون به إلى عالم الحضارة والثقافة الوطنية ويقتربون كثيراً من معرفة خصوصيتنا، مما يسير خطوة نحو كسر جدار العزلة بيننا وبينهم.

ويؤسس لتبادل التقدير والاحترام، ويتجاوز الحالة التي هم عليها الآن من كونهم مجرد عمالة غريبة ليس لها إلا همّ الكسب المادي، مما يجعل ارتباطها بالمكان ارتباطا نفعيا بالدرجة الأولى. صحيح أن بعض الناس يقولون لا توجد دواع أساسية لحمل العمالة الوافدة على تعلم اللغة العربية ما دام هؤلاء الوافدون لا يضطرون إلى تعلم اللغة لأن أعمالهم لا تحتاج إلى معرفة اللغة العربية، فما دام سوق العمل يستخدم اللغة الإنجليزية أو غيرها فما الداعي لتعلم هذه اللغة والأمر على الحال الذي وصفناه؟

أقول على الرغم من هذه المقولة، وأعترف أنها صحيحة في جانب كبير منها، فإن هذا لا يمنع من أن كثيراً من هؤلاء الوافدين يتوقون لمعرفة اللغة العربية والاطلاع على الثقافة العربية، وقد تلقيت مكالمات من عدد من الأجانب الذين يعملون في الدولة يسألون عن إمكانية حضورهم دورات لتعليم اللغة العربية، ويسألون أين هي الجهات المسؤولة عن تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها أو لأولئك الذي يعملون في الدولة ويودون أن يتواصلوا مع فئات الشعب المختلفة، أو السياح الذين يزورون البلاد ويتعرفون على مناحي الحياة في الدولة.

وكم كنت أخجل وأنا أقف عاجزة عن إجابة شافية لهذه المعضلة الحقيقية. هؤلاء الذين لا يتصورون أبداً أن طلبهم لا يمكن أن يلبى في بلد ناطق باللغة العربية، فهل ييأسون من الحصول على هذه المعرفة الضرورية لهم؟

وواقع الأمر أننا لا نتوقع أن ييأسوا أبداً، فنراهم يقومون بجهدهم الذاتي في الحصول على هذه المعرفة؛ وغالباً ما يلجأون إلى زملائهم وأصدقائهم لمساعدتهم في تعلم اللغة أو في الحصول على الكتب التي تحقق شيئاً من بغيتهم.

وقد رأيت شاباً أجنبيا يحاول أن يعزز بعض الجمل التي تفيده في عمله ويستذكر بعض الكلمات من زميله العربي في العمل، وهو أمر يدعو للعجب من تقاعسنا عن الإفادة من وجود مثل هذا العدد الضخم من الوافدين، الذين لا يحملون لغتنا معهم بل سيحملون كل قضايانا السياسية والاجتماعية والثقافية والروحية معهم.

والعجب ذاته من تقاعسنا عن خدمة قضايانا الوطنية والقومية من خلال وجودهم بيننا. وهذه معضلة حقيقية لا يجوز أن نتناساها وندير ظهورنا لها، ففي سبيل هذه الغاية تبذل الأموال الطائلة في كثير من الدول والمجتمعات والحضارات. وأنا على يقين من أننا ونحن نراجع موضوع هويتنا الثقافية سنعيد النظر في أمر الاستفادة من وضع العمالة الوافدة ونستثمر بعض ظواهرها السلبية لغايات إيجابية محققة.

إن إقامة علاقات متينة بيننا وبين العمالة الوافدة لن تتم بصورتها الحقيقية إلا من خلال اللغة التي تتيح لهم التعرف على كل خصائص حياتنا، وهذا يعد ذخراً لنا في تسويق صورتنا في العالم كله، ومن المعروف أن الذي يعمل في وطن يظل يحمل له نوعاً من الحب والولاء، ولعل هذا الحب أو ذاك الولاء يترجمان إلى تسويق من الناحية الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو السياحية أو الروحية أو نحو ذلك.

وما زلت أذكر بمرارة تلك الأم اليابانية التي عبرت عن حسرتها وندمها لأنها قضت في بلدها ستة أشهر تتعلم العربية قبل قدومها إلى الإمارات، فاكتشفت أنّ العربية التي تعلمتها لا تساعدها على التواصل مع الناس في هذه الأرض، وأنّها -كما تقول ـ لو دفعت الأموال لتعلم اللغة الإنجليزية لكان أفضل لها وأنفع!!!

مع أن هذا المثال لا يصدق دائما، ولكنه يعبر عن حجم إقصاء اللغة العربية من سوق العمل في بلادنا، صحيح أن بعض العمال قد لا يحتاج أن يعرف العربية حتى يمارس مهنته بكفاءة واضحة، ولكن بعض العمال لا يتعاملون بالضرورة دائماً مع من يتكلم اللغة الإنجليزية أو يلم بها.

ومهما يكن، فإن كثيراً من الوافدين من شتى الأمم لديهم رغبة في تعلم اللغة العربية، وعلينا أن نيسر لهم أمر معرفتها، بل نطمح إلى أكثر من ذلك: أن نشترط أو نفعّل اشتراط إلمام الراغب في العمل في دولة الإمارات باللغة العربية، وبشيء من عاداتها وتقاليدها وقيمها.

جامعة الإمارات

tfibrahim@yahoo.com