في مقالات ثلاثة سابقة سردت تاريخ المرتزقة في العالم منذ أول ظهورهم في مصر القديمة وحتى آخر استخدام لهم في حرب احتلال العراق، ووقفت على أبواب المشهد الأخير المتمثل في شركة بلاك ووتر الأميركية وأخواتها.
وهذه الشركة قد أسسها إريك برينس، الذي ينتمي إلى التيار المسيحي اليميني المتطرف في الولايات المتحدة، وقد ولدت فكرتها في رأسه بين عامي 1995 و1996 حين كان يتدرب في أحد معسكرات البحرية الأميركية، بينما كانت القوات المسلحة الأميركية تفتح الباب على مصراعيه أمام القطاع الخاص للمساهمة في أعمال مساندة للجيش.
لكن شركة بلاك ووتر التي تعني »المياه السوداء« نسبة إلى المستنقعات المظلمة التي أنشئت في قلبها، لم تطف على السطح سوى عام 2002 تحت اسم »شركة بلاك ووتر للاستشارات الأمنية«، مستفيدة من الأجواء التي أعقبت حدث الحادي عشر من سبتمبر، وإلى درجة حدت بأحد مسؤوليها المتنفذين أن يقول: »لقد ساعد بن لادن على تحويل شركتنا إلى الهيئة التي هي عليها حاليا«.
ويفتخر بعض قيادات بلاك ووتر بعضويتهم في أخوية »فرسان مالطا« العسكرية، وهم مرتزقة مسيحيون متطرفون كونوا جماعتهم في القرن الحادي عشر الميلادي إبان الحروب الصليبية، للدفاع عن الأراضي التي استولى عليها الفرنجة آنذاك من العرب والمسلمين.
وراحت بلاك ووتر تستقطب المرتزقة من كل حدب وصوب، وفي صدارتهم مجموعة من رجال الكوماندوز السابقين في الجيش التشيلي، ثم أخذ نشاطها دفعة قوية بحصولها عام 2003 على عقد لحماية بول بريمر الحاكم الأميركي للعراق آنذاك، أتاح لها أن تدفع ستمئة دولار يوميا لأي جندي يتعاقد معها، بينما كانت تحصل هي من مموليها على نحو ألف وخمسمئة دولار عن كل جندي.
ولم تكتف هذه الشركة بحماية المسؤولين الأميركيين في العراق، بل شاركت في بعض المعارك، وأهمها معركة الفلوجة التي وقعت في نوفمبر من عام 2004، وارتكبت مجازر بشعة ضد المدنيين الأبرياء، حيث استخدم المرتزقة أسلحة وذخائر محرمة دوليا.
وقد تزامل المرتزقة مع العسكريين الأميركيين النظاميين في العمل على متن السفن الحربية الأميركية في الخليج العربي أثناء حرب احتلال العراق. وكان هؤلاء ينتمون إلى أربع شركات عسكرية خاصة لديها خبرة في تشغيل بعض أنظمة التسليح الأكثر تعقيداً في العالم.
وساهمت هذه الشركات في تشغيل وصيانة الطائرات بدون طيار من طرازي »بريداتور« و»جلوبال هوك«، علاوة على القاذفات من طراز »بي ــ 2«، التي بوسعها الاختفاء عن شاشات الرادار. ويحل المرتزقة محل الجنود الأميركيين المقاتلين في كل شيء، من الدعم اللوجستي إلى التدريب الميداني والاستشارة العسكرية في الداخل والخارج.
أما أول من أسس شركة مرتزقة أجنبية في العراق فهو الفرنسي فيليب لافون، الذي أدى خدمته العسكرية جنديا بالبحرية الفرنسية، ثم عمل مرتزقا في كوت دي فوار وزائير وجزر القمر وكوسوفا. وأقدم لافون على هذه الخطوة استجابة لطلبات كثيرة وملحة لتوفير مرتزقة للخدمة على أرض الرافدين. وقد استأجر بناية فخمة في بغداد واتخذها مقرا لشركته، ثم راح يجلب مقاتلين مأجورين من هنا وهناك.
ويصل عدد شركات المرتزقة في الولايات المتحدة وحدها 35 شركة، من بينها شركة »إم بي آر آي« التي تتباهى بأن عدد الجنرالات فيها أكبر من عددهم في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) ذاتها.
ورغم هذا العدد الكبير فإن الشركات البريطانية هي التي قامت بتوريد المجموعات الأكبر من المرتزقة إلى العراق، لتحقق مكاسب طائلة خلال السنة الأولى لاحتلال العراق 2003 تعدت حاجز الخمسة مليارات دولار، إذ بلغت قيمة التعاقد السنوي مع المرتزق المحترف في العراق ما بين 80 إلى 120 ألف جنيه إسترليني.
وتأتي شركات المرتزقة بجنوب أفريقيا في المرتبة الثالثة من حيث تصدير المقاتلين المأجورين إلى العراق، وجلهم يعملون إما سائقين أو حراساً شخصيين، وفي حماية طرق الإمداد وحماية الموارد الثمينة، وغيرها من الشركات العالمية.
ووصل الأمر إلى حد تكليف الحكومة الأميركية لشركة بلاك ووتر بأن تلعب دور »حارس بحر قزوين« للدفاع عن المصالح النفطية للولايات المتحدة هناك. ولهذا ساهمت الشركة في تدريب قوات البحرية الأميركية في تلك المنطقة، وإنشاء قاعدة عسكرية ملاصقة لحدود إيران الشمالية مع أذربيجان.
وقد لفت التنامي السريع لدور بلاك ووتر وأخواتها نظر الأمم المتحدة فشكلت لجنة مكونة من خبراء حقوق إنسان مستقلين، فزارت خمس دول هي هندوراس وبيرو وتشيلي والإكوادور وجزر فيجي، للوقوف على عمليات تجنيد وتدريب المرتزقة.
وقد أعد هؤلاء تقريرا شاملا هو خلاصة عامين كاملين من العمل والتحري، ذكروا فيه أن الشركات الأمنية الخاصة تمكنت من تجنيد عناصر من أسبانيا والبرتغال ودول أوروبية أخرى وروسيا وجنوب إفريقيا، وأنها توفر تدريبات عسكرية لمجنديها في كل من الولايات المتحدة والعراق والأردن، للقيام بمهام توكل عادة إلى الجيوش.
ولهذا حذر التقرير من أن خصخصة الجيوش من قبل بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أدت إلى تنام مطرد في ظاهرة المرتزقة الذين يعملون تحت لافتات الشركات الأمنية الخاصة، ملتحفين بغطاء لفظي خادع يصفهم بأنهم مقاولون Contractors، بدلا من اسمهم الحقيقي وهو مرتزقة.
ويتم كل هذا رغم أن بريطانيا قد سنت قانونا يحرم العمل الارتزاقي، وفعلت فرنسا الشيء نفسه حيث أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية في 3 أبريل 2003 قانونا يعاقب المرتزق بالسجن خمسة أعوام وغرامة 75 ألف يورو، وتضاعف العقوبة تجاه القائمين على تجنيد المرتزقة بالسجن سبعة أعوام وغرامة 100 ألف يورو.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن المادة العقابية 959 من الباب 18 من القانون الأميركي، تنص على أن »أي شخص على التراب الأميركي إذا انخرط أو التزم بتأجير نفسه أو استدعى شخصا آخر أو حرض غيره على الانخراط أو الالتزام بخدمة جيش أمير أو دولة أو محمية أو منطقة أو شعب أجنبي، كجندي أو قناص أو بحار على متن باخرة أو زورق حربي أو كان في طريقه إلى الحرب، يعاقب بألف دولار غرامة مالية كحد أقصى، أو بالحبس لمدة ثلاث سنوات، أو بالعقوبتين معا«.
وطالما أن الحروب الاستعمارية التوسعية الجديدة قائمة، والحروب الأهلية والإقليمية محتمل نشوبها في أي مكان وأي زمان، فإن دور المرتزقة سيظل مستمرا.
كاتب وباحث مصري
