لأن «صديقك من صَدَقك لا من صدّقك» وإثباتا لصداقته لأصدقائه، حاول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الصديق الصدوق لإسرائيل أن يكون صادقا معها حتى ولو كان صدقه في نصيحتهم صادما بعض الشيء لأصدقائه الإسرائيليين، ومخالفا بعض الشيء لأجندة حلفائه الأميركيين.
وفي خطابه الجريء أمام الكنيست الإسرائيلي الذي حاول في بدايته تأكيد صداقته العاطفية لكسب قلب إسرائيل، وفي نهايته تحديد أجندته السياسية لكسب عقل العرب، كان له ما يحسب له بدرجة ما من الشجاعة في القول، ومحاولة التوازن في العرض، وبقي عليه ما يحسب عليه من تجاهل بعض الحقائق التاريخية والمنطقية!
في البداية حلَق الرئيس الفرنسي ساركوزي طوعيا في آفاق من التعاطف والتأييد والمجاملة بالحق والباطل لمن يسعى لكسب قلبهم من الإسرائيليين، فهبط اضطراريا إلى منخفضات ازدواجية المعايير لدى من يسعى لكسب عقلهم من العرب والفلسطينيين.
وفي محاولته لكسب مساحة فرنسية بين الطرفين، بين أصدقائه الإسرائيليين، والعرب والفلسطينيين، حاول إرضاء كل طرف بقول ما يرضيه مع الحرص على عدم إغضاب أي طرف بما لا يرضيه، و مع إدراك أن إرضاء كل الأطراف مع اختلاف رؤاهم غاية لا تدرك، لكن بقيت جرأته وصدقه في قول ما قاله للإسرائيليين عن متطلبات السلام هي الأكثر قيمة مما ردده على مسامعهم اقتناعا أو مجاملة ! وهنا لا تمنعنا الإشادة بجرأته المشكورة من الصدق مع الرئيس ساركوزي بشأن الحقائق المنكورة حتى ولو لم يكن صديقا لنا بقدر صداقته لأعدائنا.
فقد نتفهم دوافع انطلاقه في استعراض متطلبات السلام من زوايا المصلحة الإسرائيلية وليس من استحقاقات المبادئ الإنسانية ولا القرارات الدولية، فالسلام مصلحة إسرائيلية، وقيام الدولة الفلسطينية هو الضمانة الحقيقية لأمن الدولة العبرية، ومن هنا كانت نصيحته لهم كصديق حريص على مصلحتهم، ومدافع عن ضرورات أمنهم أن تحقيق هذه المصالح يتطلب إدراك بعض ما يبدو غائبا عن فكرهم من أن هذا السلام يستحيل تحقيقه بالشروط التي يصرون عليها ولاءاتهم التي يتمسكون بها .
ومن هنا حين قال لهم إنه لا أمن للدولة الإسرائيلية بدون قيام الدولة الفلسطينية، وأنه لا حل للصراع بدون عودة القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وأن السلام مع الفلسطينيين يستحيل تطبيقه مع الاستيطان على أراضيهم، وأنه لا حل للصراع دون حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وأن الحوار وليس القوة العسكرية هي التي تجلب الأمن والسلام، فلم يكن يجامل العرب ولا المسلمين بقدر ما يحاول مساعدة أصدقائه الإسرائيليين الذين ضلوا طريق السلام بعدد من أجهزة الرؤية الموضوعية .
لكن ما يصعب علينا فهمه أو تفهمه من كلام ساركوزي الكثير أيضا، بدءًا بما يراه من حق لليهود الذين تعرضوا للاضطهاد والمحرقة النازية الأوروبية في وطن آمن على أراض فلسطينية وعربية وليست ألمانية أو أوروبية، فهل يملك ساركوزي أن يعطي من حق غيره لمن لا يستحق؟!
ومرورا بوصفه للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال بالإرهاب، بل ودعوته للفلسطينيين بمقاومة الإرهاب الفلسطيني وليس الاحتلال الإسرائيلي، فهل يجرؤ ساركوزي على وصف المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي بالإرهاب؟ وأخيرا بحديثه النووي عن برنامج إيران ولفرنسا برنامجها، وبتجاهله لقنابل إسرائيل ومسؤولية فرنسا فيها..! ولهذا حديث الغد.