ما قاله السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون؛ في مقابلة صحافية؛ بدا، في سياقه ومضمونه، وكأنه تبشير يأخذ طابع الإنذار المبكر، لحرب جديدة في المنطقة. فضلاً عن أنه يأخذ، في نفس الوقت، طابع التحريض عليها والدفع باتجاه خيارها. وخطورته، لا تنبع فقط من كون صاحبه هو أحد صقور المحافظين الجدد وأبرز دعاة الخيار العسكري في التعامل مع الشرق الأوسط. بل أيضاً، لأنه من العارفين والمؤثرين؛ بالرغم من وجوده خارج الإدارة.

كما أن اللحظة التي اختارها، للتمهيد والترويج؛ تأتي، بملابساتها وخلفياتها، لتعزّز التكهنات حول إمكانية عمل عسكري إسرائيلي، ضد إيران؛ والتي توالى الحديث عنها في الآونة الأخيرة. أو، في أدنى الاحتمالات، لتؤشر إلى استنفار في صفوف الصقور، لتزخيم مثل هذه الإمكانية ونقلها إلى حيز التنفيذ، في المدى المنظور؛ مع كل ما يترتب على ذلك من اشتعالات واهتزازات في المنطقة.

بعد غياب مديد، يطل بولتون عبر وسائل الإعلام، ليعطي شحنة ترويج لهذا لخيار. حسب توقعاته، أن مثل هذه الضربة، من المرجح وقوعها في الفترة الواقعة ما بين انتخابات الرئاسة الأميركية، مطلع نوفمبر القادم؛ وبين نهاية ولاية الرئيس بوش، في الواحد والعشرين من يناير 2009. نافذة تترك العملية، كما يقول، بمنأى عن التأثير على هذه الانتخابات؛ وما قد يتسبب به ذلك من إحراج وسلبيات. ان هناك (خيارين أميركيين: تغيير النظام، أو القوة العسكرية).

والرجل معروف أيضاً، (بأنه قريب جدّاً من إسرائيل وعلى دراية بما يفكر به قادتها)، كما جاء في كلام مسؤول أميركي سابق ـ تربطه علاقة مع بولتون ـ مع جريدة (الشرق الأوسط). ويضيف هذا المسؤول إن (التوقيت بين الكشف عن المناورات الإسرائيلية وكلام بولتون وغيره ليس صدفة). وليس سراً أن الباقين في الإدارة من الصقور وعلى رأسهم نائب الرئيس، يتطلعون إلى حصول هكذا مواجهة؛ قبل مجيء الإدارة الجديدة.

كلام السفير الأميركي السابق وأحد أشد الداعين والمحبذين لشن حرب ثالثة في المنطقة، قد يكون بهدف الإرباك وزيادة الضغوط. وقد يكون تعبيراً عن احتدام الصراع، عشية رحيل إدارة بوش، بين مدرستين في واشنطن: واحدة تحذر من غرق جديد في رمال الشرق الأوسط.

وأخرى بقيادة الصقور، أمثال بولتون وتشيني، تدفع في الاتجاه المضاد. الرئيس بوش، في رده على ملاحظة للرئيس ساركوزي، الذي استضاف نظيره الأميركي في الأليزيه قبل أيام، قال: (ما زال لي في البيت الأبيض ستة أشهر، وبالتالي من المبكر شطبي من المعادلة). في ضوء هذه الإشارة، يكون من غير الحكمة عدم أخذ كلام بولتون على محمل الجد. أو على الأقل التعامل معه على أنه توجه يدفع أصحابه به، مع إسرائيل، بكل قوة.