كثيرون يؤكدون على أن الخطأ وسيلة أساسية ومجدية في التعليم واكتساب المهارات والخبرات اللازمة، لذا فإن الأسف على الأخطاء لا يكون كبيراً إذا عزم الإنسان على الاستفادة من الدروس التي أتاحها خطأه ليضمن عدم تكراره مستقبلاً.

مناسبة حديثنا هذا التصريح الذي أدلى به وكيل وزارة الاقتصاد في الإمارات محمد عبد العزيز الشحي عن الدراسة التي تجريها وزارة الاقتصاد حول إمكانية تدشين استثمارات زراعية في دول خصبة كالدول الآسيوية، ضمن خطوة تفادي نقص المحاصيل الزراعية.

وقال الشحي إن الدولة «تدرس الاستثمار الزراعي في الدول التي تتمتع بوفرة في الأراضي الزراعية بحسب قوانين تلك الدول»، واصفاً ما جرى خلال الأشهر الماضية من نقص في مخزونات السلع الغذائية بأنه «درس قاس» لأخذ الاحتياطات في توفير الأمن الغذائي، وتنويع أماكن زراعة المحاصيل والسلع الغذائية.

قد يعتبر بعضهم هذا التصريح متأخراً أو أنه جاء في الوقت الضائع، لكن أن يأتي متأخراً أفضل من أن لا يأتي أبداً. فبعد سنوات من التنمية التي شهدتها دولة الإمارات في مختلف المجالات، وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها مؤسسات الدولة لجذب المستثمرين والتشجيع على الاستثمار في مختلف المجالات، لاسيما المجال العقاري الذي حظي بنصيب الأسد بين الاستثمارات في قطاعات أخرى كالقطاع السياحي والصناعي وما إلى ذلك من قطاعات.

وعلى الرغم من حجم الاستثمارات التي ضختها الدولة في الخارج لدعم اقتصادها المحلي، إلا أننا نستطيع القول إن هذه الجهود مازالت متواضعة إذا كنا بصدد الحديث عن حجم استثمارات الدولة في الخارج وفي المجال الغذائي الذي أصبحنا اليوم بحاجة ماسة له أكثر من أي وقت آخر لتحقيق الأمن الغذائي.

ولنصبح بعيدين عن الاحتياج لدول أخرى ترهقنا بأسعار تلك السلع التي تصدرها إلى الإمارات والتي ندفع قيمتها مضاعفة. هذا إن لم تهدد تلك الدول بوقف توريدها لتوفرها لأبناء دولها الذين يبقون الأهم والأكثر أولوية.

لذا فإن إعلان وزارة الاقتصاد عن دراسة الاستثمار في المجال الزراعي وفي دول خصبة سيعود بالخير على الوطن ومواطنيه، لاسيما الجيل القادم الذي يعتبر الأمن الغذائي حقاً من حقوقه التي لاينبغي غض الطرف عنها. ولو كانت الدولة استثمرت في السابق في أراض زراعية تزودها على الأقل بالمحاصيل الأساسية وغيرها لما وجدنا أنفسنا أمام أزمة غلاء وشح مواد قد تتسع دائرتها مستقبلاً لتشمل المزيد من السلع الأخرى.

الفرص الاستثمارية في مجال الغذاء كبيرة وضخمة حسب منظمة (الفاو) التي أعلنت منذ أيام أن العالم بحاجة لاستثمار 30 مليار دولار سنوياً في الزراعة حتى عام 2050 لمواجهة الطلب على الغذاء.

وهو الأمر الذي يحفز الإمارات على التخطيط لتخصيص مبالغ تصرف سنوياً على الاستثمار في الزراعة في مختلف الدول التي تسمح بذلك قبل فوات الفرص عليها فتبقى رهينة الدول الزراعية التي ربما تواجه هي الأخرى تغيرات وظروفاً تضطرها لوقف التصدير، سواء كانت هذه الظروف مناخية أو اقتصادية أو حتى سياسية.

الدولة اليوم تجني عوائد نفطية ضخمة، وفي الوقت نفسه تنفق من هذه الثروات على الاستثمار في الخارج في عدة مجالات قد يكون المجال الزراعي أقلها، لذا فإن ما نأمله هو أن يكون نقص بعض السلع وارتفاع أسعارها درساً قاسياً تستفيد منه الدولة للحاضر وللأجيال القادمة.

maysaghadeer@yahoo.com