تتشكل بنية الخوف في عالمنا العربي عبر تحولات كثيرة ترتبط بالوحدات الاجتماعية والسياسية المختلفة وإذا كانت هذه البنية تعلن عن نفسها من خلال ارتباطات تحليلية على مستوى وحدات البنية السياسية بوضوح كبير، فإنها لا تكشف عن نفسها بمثل هذا الشكل من الوضوح على المستوى الاجتماعي والوحدات المختلفة المرتبطة بها مثل الأسرة وعلاقات القرابة والمدرسة والجامعة ومؤسسات العمل المختلفة.

فعلى المستوى السياسي تتضح بنية الخوف في ضوء تلك القيود التي تفرضها السلطة السياسية العربية على معظم الممارسات السياسية في عالمنا العربي. وتمارس هذه السلطة نوعا من الحجر السياسي تصبح بموجبه هي المهيمن الرئيس على كافة مجريات الممارسات السياسية.

وتتسلح السلطة السياسية في هذا السياق بأجهزتها الأمنية المختلفة التي توفر لها الهيمنة من ناحية والاستمرارية من ناحية أخرى، وهو ما يؤدي للمزيد من عمليات القمع واستشراء حالة عامة من الخوف وتجنب الانخراط في أي سلوكيات أو ممارسات سياسية.

وفي هذا السياق يدفع الكثير من النشطاء السياسيين ثمنا بالغا من حرياتهم الشخصية والقيود التي تفرضها عليهم القوى الأمنية، بل إن الأمر يصل في الكثير من الأحيان إلى الأحكام بالسجن، وفي بعض الأحيان التصفية الجسدية. وتجدر الإشارة هنا إلى وجود فروق في استشراء حالة الخوف بين دولة عربية وأخرى، فهناك دول صاحبة قدرات أمنية هائلة على ملاحقة النشطاء السياسيين ورصد أعمالهم وتقييد أنفاسهم.

وتظهر بنية الخوف السياسية في أوضح تجلياتها في ممارسات الطلاب في الجامعات العربية، فرغم وجود نسبة لا يستهان بها من الطلاب النشيطين سياسيا، والمعبرين عن توجهات أحزاب سياسية معينة، بما فيها بالطبع الأحزاب السياسية في هذه الدول، فإن النسبة الأكبر لا تشارك في أية ممارسات سياسية حقيقية وتكتفي بمشاهدة ما يحدث من باب تجنب المشاكل السياسية من ناحية والخوف من الملاحقات الأمنية من ناحية أخرى.

وتتعمد القوى الأمنية في الكثير من الدول العربية التكشير عن أنيابها حينما تلاحق الطلاب داخل الجامعات في الكثير من الدول العربية مستخدمة في ذلك الغاز المسيل للدموع والضرب المبرح والكلاب البوليسية، وهو ما يكرس بدرجة أو بأخرى من حالة الخوف في الآخرين غير المشاركين في النشاط السياسي الجامعي.

وهذه الحالة تنسحب بدرجة أو بأخرى على الطلاب بعد تخرجهم وتتجذر في أنفسهم، خصوصا إذا ما وصلتهم أنباء ما حدث للطلاب المعتقلين، من تعذيب وإهانات مختلفة، وفي بعض الحالات الفصل من الجامعات.

وبينما كان من المتصور أن تكون الجامعة هي ملاذ الحريات والجدل الفكري الرصين والجاد الذي يصون للأستاذ والطلاب كرامتهم وحرياتهم الفكرية، إذا بها تمثل امتداد لبنية الخوف والواقع العربي المرير. فالجامعة هي الحاضنة الأولى التي تلعب دوراً كبيراً في تدجين المستجدين من الطلاب، وترويض توجهاتهم السياسية.

ومن اللافت للنظر هنا أن الأساتذة أنفسهم يتم تعليبهم وتحويلهم إلى مجرد موظفين يقومون بتدريس مقررات لا تتماس مع الواقع الخارجي بصلة، كما لا ترتبط بالمشكلات الحقيقية التي يواجهها المواطنون.

ولا يمكن لبنية الخوف أن تتحقق وتستشري إلا من خلال تلصص البعض على البعض الآخر والمراقبة المستمرة لهم. فإضافة إلى الدور المباشر وغير المباشر الذي تلعبه الأجهزة الأمنية في المتابعة والملاحقة في الكثير من الدول العربية.

فإن هذه الأجهزة ذاتها تخلق لها عيونا للمتابعة والملاحقة من التابعين لها بين أروقة المؤسسات المختلفة، بما فيها المؤسسات التعليمية وعلى رأسها الجامعة، إضافة إلى فاعلية بنية الخوف التي تقوم بأدوارها من خلال فعل الرقابة الذاتي الذي يفرضه كل من الأستاذ والطالب على نفسه.

هنا تنتقل بنية الخوف من مستوى الممارسة الخارجي الذي تمارسه السلطة على الفرد إلى المستوى الذاتي الذي يمارسه الفرد على ذاته. وفي مثل هذه الحالة تنجح السلطة في فرض أقسى درجات الخوف على الأفراد.

حيث تزرع داخل كل فرد جهازه الأمني الخاص به الذي يذكره دائما وأبدا بضرورة البعد عن وجع الرأس، والبعد عن أي ممارسة سياسية أو أي نشاط اجتماعي قد يغضب الأجهزة الأمنية منه. لا تقف المسألة فقط عند تلك الهواجس الأمنية التي يستدمجها كل فرد داخل ذاته لكنها تتعدى ذلك إلى خلق حالة عدوانية ضد من يتجرأ ويهاجم السلطة.

فعلى الرغم من الظلم الواقع على الأغلبية من قبل السلطة فإن ما يحدث أن الكثير من هؤلاء، وعبر خضوعهم الطويل لبنية الخوف، ينبرون من أجل الدفاع عن السلطة من ناحية والهجوم على من يتناولنها بالنقد والانتقاص من ناحية أخرى، وهي تلك الحالة التي وصفها مصطفى حجازي في كتابه البديع «سيكولوجية الإنسان المقهور» بالتوحد المتسلط.

ولا يغيب عن الأذهان هنا ارتباط البعض من المدافعين عن السلطة بمصالح شخصية، فالسلطة لابد وأن تجزل العطاء للمدافعين عنها والمؤيدين لسياساتها. ويرتبط بتلك المنافع التي تقوم بتوزيعها السلطة الحاكمة وأجهزتها المختلفة على المقربين منها شكلاً آخر من أشكال الحرمان المادي والمعنوي في الوقت نفسه للمعارضين لسياساتها وتوجهاتها الأيديولوجية.

ويمكن بنظرة بسيطة أن نذكر مئات الأسماء في عالمنا العربي من المحرومين من كرم وعطف الدولة في عالمنا العربي بشقية المادي والمعنوي على السواء. لا يعتمد نجاح بنية الخوف في تأثيراته واسعة النطاق على الجانب السياسي فقط لكن جذوره تمتد لتشمل البنية الاجتماعية ومؤسساتها المختلفة وهو ما يحتاج لحديث آخر.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com