إن المجتمع الذي يقصر المواقع المهمة على الرجال مجتمع يعطل نصف طاقاته من الذكاء والتفكير والعلم والعطاء والإنتاج. والأمر يحتاج من الأجهزة المعنية بوضع المرأة في المجتمع الإماراتي، بالإضافة لما بذلوه وما زالوا يبذلونه من جهود عظيمة ـ لحظة متكاملة للقضاء على بقايا الثقافة الذكورية في مجتمعنا: في الأسرة وفي التعليم وفي المؤسسات الدينية وفي الثقافة والإعلام.

ورغم ما تحقق من إنجازات مشهودة في مسيرة تقدم المرأة الإماراتية؛ فإن الطموح لا يزال يملؤنا؛ فالإمارات لا يزال في جعبتها الكثير، وفي قلبها وعقلها أهداف كبار ترنو إليها، ولا يزال أمامنا شوط كبير في الارتقاء بالمرأة من أبوظبي إلى الفجيرة، ولا يزال طريق الإصلاح طويلاً، لاسيما.

فيما يتعلق بمواجهة بقايا التمييز ضد المرأة فقد تحقق إنجاز ملحوظ في هذا السبيل، لكن لا يزال أمامنا شوط كبير. ولابد من مواصلة العمل والسعي لزيادة حجم مشاركة المرأة في العمل العام ـ كافة مؤسساتنا الاتحادية في الداخل والخارج ـ وتدعيم دورها في كل المجالات وسائر الأصعدة.

لا شك أن القيادة الاتحادية الإماراتية تؤمن بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الشخص الإنساني وقيمته، وبتساوي الرجل والمرأة في الحقوق، كما تأخذ بعين الاعتبار أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد مبدأ عدم التمييز ويعلن أن البشر جميعاً يولدون أحراراً ومتساويين في الكرامة والحقوق، وأن لكل إنسان جميع الحقوق والحريات المقررة فيه، دون أي تمييز، بما في ذلك أي تمييز بسبب الجنس.

ومن هنا تسعى القيادة الإماراتية إلى القضاء على التمييز بكافة أشكاله، كما تسعى إلى تعزيز تساوي حقوق الرجل والمرأة، لأن التمييز ضد المرأة يتنافى مع كرامة الإنسان وخير الأسرة والمجتمع الإماراتي، ويحول دون اشتراك المرأة على قدم المساواة مع الرجل، في حياة بلدهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكما يمثل التمييز عقبة تعترض الإنماء التام لطاقات المرأة على خدمة الدولة الاتحادية، ولا أدل على ذلك من أن المرأة الإماراتية أصبحت وزيرة، برلمانية، قاضية.

ولعل الجميع يتذكر كيف أنه في التشكيل الوزاري قبل الأخير، وبموافقة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة على تشكيل الحكومة الجديدة الذي عرضه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.. أقول في هذا التشكيل سيدتان، مما يعني زيادة التمثيل النسائي في الحكومة، وحصول المرأة على مكانة تليق بدورها في بناء وتطوير وخدمة المجتمع.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد زادت نسبة تمثيلها في الوزارة الأخيرة، التي جاء في تشكيلها أربع وزيرات، مما يعني زيادة التمثيل النسائي في الحكومة، وحصول المرأة الإماراتية على مكانة تليق بدورها في بناء وتطوير المجتمع، فبعد أن كان هناك وزيرتان في الوزارة السابقة أصبح في الوزارة الجديدة أربع وزيرات، ما يشير إلى زيادة تمكين المرأة الإماراتية وإتاحة الفرصة أمامها لأداء دور أكبر في مجال العمل السياسي العام، واحتلال المواقع القيادية.

بالإضافة إلى تواجد المرأة الإماراتية الكبير في البرلمان (المجلس الوطني الاتحادي). وجدير بالذكر هنا أن دولتنا الاتحادية تُعد الدولة الأولى عربياً من حيث نسبة تمثيلها في البرلمان، كما تُعد الدولة الثانية عربياً بعد المغرب من حيث تمثيل المرأة في مجلس الوزراء.

ويعني كل هذا مزيداً من المشاركة الفاعلة للمرأة الإماراتية في تحمل المسؤولية الوطنية وبناء نهضة الدولة الاتحادية. وأصدر مؤخراً صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بصفته حاكماً لإمارة أبوظبي مرسوماً أميرياً بتعيين امرأة في وظيفة قاضٍ ابتدائي على الفئة الثالثة بدائرة القضاء في أبوظبي، وبهذا القرار تُعتبر أول قاضية في تاريخ دولة الإمارات.

وليست هذه هي الخطوات الوحيدة في تمكين المرأة الإماراتية، فقد سبقتها خطوات كثيرة ومتنوعة ونجد في السنوات الماضية كيف يزيد تمكين المرأة الإماراتية يوماً بعد يوم على نحو تدريجي متنامٍ، ما يؤكد أن إسهام النساء والرجال على حد السواء أقصى إسهام ممكن في جميع الميادين مطلب لابد منه للتنمية الكاملة والشاملة لدولة الإمارات في شتى الميادين.

وقد أخذت المرأة الإماراتية من قبل حقها في التصويت في الانتخابات وفي ترشيح نفسها لجميع الهيئات المنبثقة عن الانتخابات العامة، كما أخذت حقها في تقلد المناصب العامة ومباشرة جميع الوظائف العامة على مستوى الوزارة والمجلس الوطني (البرلمان)، وفي هذه الأيام أخذت حقها في تولي المناصب القضائية.

ومن الملاحظ من جهة أخرى أن القيادة الإماراتية تتخذ على نحو تدريجي جميع التدابير المناسبة لتعديل القوانين والأعراف والأنظمة والممارسات القائمة التي تشكل تمييزاً ضد المرأة، ولتقرير الحماية القانونية الكافية لتساوي الرجل والمرأة في الحقوق، كما أنها تصدق على الصكوك الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة والمتعلقة بالقضاء على التمييز ضد المرأة، أو الانضمام إليها، وإلى تنفيذها.

على مستوى آخر، نجد الإعلام الإماراتي يقوم بدور ملحوظ لتوعية الرأي العام بضرورة تخلص أفراد المجتمع والأمة الاتحادية بكل طبقاتهم الاجتماعية والثقافية من جميع الممارسات العرفية وغير العرفية القائمة على فكرة نقص المرأة.

وفي مجال التعليم تمتعت الفتيات والنساء الإماراتيات متزوجات أو غير متزوجات بحقوق مساوية لحقوق الرجال في ميدان التعليم على جميع مستوياته، لاسيما في التساوي في شروط الالتحاق بالمؤسسات التعليمية بجميع أنواعها، بما في ذلك الجامعات والمدارس، كما تساوت مع الرجل في فرص الحصول على المنح والإعانات الدراسية الأخرى، وفي فرص الإفادة من برامج مواصلة التعليم، بما في ذلك برامج تعليم الكبار القراءة والكتابة.

ولاشك أن كل ذلك يصب في نهر واحد وهو نهر تكوين عناصر التقدم أو إزالة معوقات التقدم في دولتنا الاتحادية. ومن أهم جوانب قضية صنع التقدم وضع المرأة في المجتمع ونوعية الثقافة التي ينظر بها المجتمع للمرأة ويتعامل معها، ويقيني أن هذا البعد هو أحد أهم أبعاد عملية الحكم على مدى تقدم أي مجتمع أو تأخره.

ورغم إيماننا العميق بأن المرأة مساوية للرجل في كل شيء وفي كافة مناحي الحياة، إلا أن حماسنا لهذا الموضوع تنبع من إيماننا بأن أخطر ما في الثقافة الذكورية هو وضع المرأة في مواضع أدنى من الرجل.

إن أول إنسان في التاريخ حصل على جائزة نوبل في العلوم لأكثر من مرة كانت امرأة، وهي «مدام كوري» ولو لم يوجد دليل آخر غير هذا «وهناك ألف دليل آخر» لكان ذلك كافياً لإسكات أي إنسان يردد تلك الآراء الرجعية والمتخلفة عن تميز النوع الذكوري، عن «النوع الأنثوي».

ولعل معظم الذين يؤمنون بالتمييز بين المرأة والرجل يوافقونني على أنهم سيكونون في موقف بالغ الحرج عندما نقارنهم بتلك السيدة الفذة التي تفوقهم عبقرية وذكاء وعلماً ونجاحاً. لكل ما سبق نجد أن قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بتعيين امرأة في وظيفة قاض، يعد خطوة حضارية كبيرة.

ولكنها خطوة تحتاج لأن تستكمل، فتعيين عدد من النساء، في كل وظائف القضاء من بداية السلم الوظيفي، هو الضمانة الوحيدة لانتهاء عصر التمييز ضد المرأة في مجال المناصب القضائية.. والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات

Razak_doc@hotmail.com