فارق كبير بين زيارتين للدولة العبرية، واحدة للرئيس الأميركي الذي أصبح مستقبله الغامض وراءه بينما يستعد للرحيل من البيت الأبيض في ختام عهده الذي انتهج فيه سياسة منطق القوة المفتقر إلى قوة المنطق..

والثانية للرئيس الفرنسي الذي مازال مستقبله السياسي أمامه بدخوله قصر الإليزيه بينما يسعى بكل الوسائل المنطقية وغير المنطقية للعمل على استعادة النفوذ الفرنسي القديم في المستعمرات السابقة من الوريث الأميركي الجديد لإمبراطوريات «أوروبا العجوز».

وبين خطابين أمام الكنيست الإسرائيلي، الأول للرئيس الأميركي بوش يعكس رؤية عنصرية لا إنسانية، ومنحازة لا موضوعية، ترى بعين واحدة هي العين الإسرائيلية لا الأميركية، أن القوة هي الحق وتجهل أو تتجاهل أن الحق فوق القوة، وبدا فيه وهو المسيحي البروتستانتي المتشدد، صهيونيا أكثر من الصهاينة ويهوديا أكثر من اليهود على حساب المسيحيين والمسلمين العرب الفلسطينيين.

والثاني للرئيس الفرنسي ساركوزي ذي الأصول اليهودية يعكس رؤية جريئة لا عنصرية لا تخلو من التوازن بواقعية تحاول النظر بعينين اثنتين، رغم هبوطها الاضطراري إلى ازدواجية المعايير أو تجاهل الحقائق التاريخية أو القواعد المنطقية.

وبدا في محاولته لكسب الطرفين وبين منطقين متناقضين، منطق أصدقائه الإسرائيليين القائل «القوة هي الحق»، ومنطق من يسعى لعدم خسارة العرب والفلسطينيين القائل «الحق فوق القوة»، كمن يحاول عبور الهوة السحيقة بين جبلين بالسير على حبل رفيع!

وفي الوقت الذي لا أمل فيه في السياسة الأميركية الجمهورية أو الديمقراطية التقليدية، المنحازة أوتوماتيكيا بدرجات متفاوتة وبأساليب مختلفة إلى المصالح الصهيونية والأميركية على حساب المبادئ الإنسانية والقواعد الدولية، والتي تبدو معادية للحقوق العربية والإسلامية، ومجافية لقيم ومبادئ الحرية والعدالة التي حوتها وثيقة الاستقلال الأميركية، ومناقضة لما ترفعه من شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال، بالاحتلال الأميركي للعراق ودعم الاحتلال الصهيوني لفلسطين!.

فلم نقطع الأمل بعد في سياسة أوروبية أكثر موضوعية وإنسانية وأكثر استقلالية و مسؤولية عن السياسة الأميركية وبالذات في مواقف فرنسية تجاه القضايا العربية والإسلامية أكثر قربا من العدالة الدولية والحقوق الإنسانية من بلد شهد ميلاد أول وثيقة لحقوق الإنسان، وأول ثورة تعلن دولة الحق والقانون في أول جمهورية، وترفع شعارات الحرية والعدالة والإخاء والمساواة، وتحاكم العنصرية، وتمارس المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا ولا تعتبره إرهابا.

تدعوني قراءة الخطاب الفرنسي الذي اتسم بالذكاء السياسي بعكس الخطاب الأميركي، والذي جاء كرسالة وفاء لصداقته التقليدية لإسرائيل بمحاولة الصدق معها وليس بالتصديق المطلق على سياستها، ورسالة وفاء نسبي للمبادئ الحقوقية والإنسانية، وللمواقف الفرنسية التاريخية المتوازنة للقادة الكبار الفرنسيين أمثال ديجول وشيراك تجاه القضية العربية الفلسطينية والعراقية.

ولهذا لم يفاجئ كلام ساركوزي العرب بتوازنه النسبي بقدر ما فاجأ بصدقه الذي لم يخل من شجاعة أولئك الصهاينة من العنصريين و المحاربين و المستوطنين الذين يريدون فرض دولتهم بدون دولة للفلسطينيين، ويدعون حقوقا لهم بإنكار حق الآخرين.

ويستقدمون المهاجرين اليهود المستوطنين في الأرض المقدسة للمسلمين والمسيحيين بينما يرفضون عودة اللاجئين أصحاب الأرض الشرعيين والمواطنين الأصليين. ساركوزي لمضيفيه: إن الحصول على الأرض والسلام معا، والاستيطان والأمن معا والقدس والسلام معا، هو أمر مستحيل.

mamdoh77t@hotmail.com