في معظم، إن لم يكن في كل، المؤتمرات الخاصة بالقضية الفلسطينية، تدور النقاشات حول الهوامش والملاحق والأمور الإجرائية. ناهيك بالمطالب والشروط المسبقة والتعجيزية، الإسرائيلية. تل أبيب وحلفاؤها، عملوا ونجحوا، دائماً، في ضبط المداولات ضمن هذا الإطار.
أما لبّ الصراع ومسائله الأساسية الجوهرية، فيجري تغييبها؛ إما بالالتفاف عليها، وإما بتأجيلها لجولات لاحقة؛ لا يكون مصيرها أفضل من سابقاتها. مؤتمر برلين، أول من أمس، لدعم الشرطة الفلسطينية؛ يندرج تماماً في هذه الخانة.
خلاله دار التركيز حول ضرورة الدعم لإنشاء المؤسسات الفلسطينية والقضاء وتمويل المشاريع وتمكين قوى الأمن.. ورفعاً للعتب، أعرب المؤتمرون، كما جرت العادة في هكذا مناسبات، عن دعمهم «لحلّ إقامة دولتين، إسرائيلية وفلسطينية». تعبير، صار كاللازمة، في هذا الصنف من البيانات.
ينسى هؤلاء، أو يتناسون،أن إسرائيل قائمة؛ ولا داعي لذكر دولتها. المطلوب إقامته هو الدولة الفلسطينية. وطبعاً، وكالعادة أيضاً، غابت سيرة الاحتلال وممارساته، التي تستبيح الإنسان الفلسطيني وحقوقه، الحاضرة على الدوام في الخطاب الغربي، إلاّ عند الكلام عن إسرائيل التي لا تكف عن انتهاك هذه الحقوق.
كما غابت سيرة الممارسات والاعتداءات الإسرائيلية اليومية، التي تمعن تقطيعاً بمقومات أية دولة فلسطينية محتملة؛ عبر الاستيطان والجدار. وعندما طالب رئيس الحكومة الفلسطينية، سلام فياض،أمام المؤتمر، بالتجميد الفوري لبناء المستوطنات؛ لم يلق من الجوقة الأخرى، الوزيرتين رايس وليفني ومعهما سولانا وغيره، سوى التوكيد على الجوانب الأمنية والحديث عن العنف؛ وضرورة اعتراف الفصائل بإسرائيل..
وأهمية دولة القانون، وغير ذلك من الكليشهات المعروفة. يطالبون بخطوات مسبقة على الأرض، مقابل وعود على الورق. ولا مرة، في هذا المؤتمر أو فيما سبق، يفصح الأوروبيون والأميركيون، عمّا هو المقصود بهذه الدولة: حدودها، حجمها، عاصمتها؛ ناهيك بسيادتها.
أقصى ما يذهبون إليه، لا يتعدّى توصيفها بالدولة «القابلة للحياة»! تعبير في أحسن أحواله مبهم. وبالتأكيد ملغوم. عقد المؤتمرات لدعم الوضع الفلسطيني، عمل مهم ومطلوب. في أقله يبقي القضية مطروحة ويعزّز حضورها. فضلاً عما يوفره من تأمين المساعدات للمؤسسات الفلسطينية ـ التي أقر لها مؤتمر برلين 242 مليون دولار.
وأيضاً هام التداول بأمور الأمن والقانون ودولته و.. لكن مثل هذه الأهمية تنتفي عندما يكون الذي يجري على الأرض، من النوع الذي يطيح بالمقومات الأساسية لقيام دولة هذه المؤسسات. بل ينسفها كلياً.
الأجدر أن يجري التركيز أولاً، على ضرورة حماية هذه المقومات؛ إذا كان الحديث عن التسوية المنشودة، جدّياً. بخلافه يكون الكلام عن مواصفات الدولة وتدعيم متطلباتها، قبل ضمان شروط قيامها؛ كمن يشتري السّرج قبل أن يكون لديه حصان.
