أثار قرار تعيين البحرينية اليهودية هدى نونو سفيرا في الديوان العام لوزارة الخارجية البحرينية تمهيدا لتعيينها سفيرا في الولايات المتحدة، ردود فعل متباينة. لكنه بالنهاية سلط الضوء على حقيقة ليست في قائمة الأولويات: مجتمع صغير من البحرينيين اليهود.

تبدو ردود الفعل أكبر مما يحتمله مجتمع صغير لا يزيد عدد افراده على 37 شخصا من الرجال والنساء والأولاد هم كل البحرينيين اليهود اليوم، لكن خلف هذا العدد اليسير من المواطنين البحرينيين تكمن حقائق جديرة بالتوقف والملاحظة لأولئك الذين يهمهم ان يرصدوا ظاهرة ظلت تشكل علامة فارقة في البحرين على مدى قرون طويلة.

لقد وثق شاعر بحريني هو علي الجلاوي جذبه الغموض والروايات الشفوية فسعى إلى نفض الغبار عن هذه الروايات وبدأ بحثا دؤوبا اثمر بالنهاية كتابا اطلق عليه »يهود البحرين – 100 عام من الخفاء«. وخلف هذا الجهد تكمن حقائق اخرى عن مجتمع البحرين نفسه. انها الحقائق التي يمكن ان تقدم لنا تفسيرا عن سؤال مثل هذا: لماذا تنفرد البحرين من بين دول الخليج بوجود اقلية يهودية من مواطنيها؟

وبالتزامن مع الجلاوي، كانت بحرينية يهودية هي نانسي خضوري قد انجزت كتابا بالانجليزية هذا العام ايضا اسمته »منذ بداياتنا وحتى الوقت الحاضر«، وثقت فيه تاريخ العائلات اليهودية في البحرين وضم العشرات من الصور والوثائق التي تظهر كيف كانت اقلية صغيرة من اليهود يعيشون في البحرين ويرتدي بعض كبار السن فيها الثياب العربية ويشاركون في مناسبات عامة ويحيي بعضهم الحاكم بتقبيل انفه بطريقة لا تفرق بينه وبين اي بحريني آخر.

بامكان »علم الاجتماع« ان يسعفنا قليلا ببعض التفسيرات، ويقدم لنا شيئا من الفوارق الجلية بين أهل الجزر وأهل الصحراء أو أهل الجبال. ان الميناء المفتوح الذي مثلته البحرين دوما يقدم تفسيرات قد تعطينا أجوبة لهذه الظاهرة، لكن في ثناياها وفي تفاصيل يوميات سجلتها ذاكرة السكان، تكتسب الظاهرة بعدا استثنائيا قليلا هو ذاك الذي أضفته طباع أهل هذه الجزر.

هنا بالضبط يمكن ان نتحدث عن ظاهرة انسانية لكن في نسختها البحرينية، وهي نسخة ثرية بالتأكيد قد تسعف أولئك الذين يتمتعون بذاكرة قصيرة ومثقوبة في ايامنا هذه. لقد كنت اتحدث قبل يومين مع نانسي خضوري حول كتابها، عندما ابلغتني انها بصدد اعداد نسخة محدثة منه ستضيف اليه بعض المعلومات عن شخصيات يهودية أيضا. وذكرت لي اسما أحدث دويا هائلا في الذاكرة: »أم جان«.

هل قلت أم جان؟ سألتها؟ فاجابت نعم بتأكيد جازم. لكن اليكم بسؤالي اللاحق: هل كانت »أم جان« يهودية؟ أوضحت نانسي: »نعم إنها يهودية«. »أم جان« هذه التي اتحدث عنها جاءت إلى البحرين في العشرينات من القرن الماضي بصحبة زوجها الضابط في الجيش البريطاني من العراق.

لقد كان زوجها هنديا مسيحيا يعمل ضابطا في الجيش البريطاني وكانت هي فتاة صغيرة عندما رحلت عائلتها من تركيا في رحلة طويلة لتستقر في البصرة بالعراق ومرضت هناك فتلقت العلاج في مستشفى تابع للجيش البريطاني فأحبت المهنة وتعلمتها وأصرت على البقاء هناك والعمل في المستشفى.

ومن هناك ارتبطت بزوجها الذي سرعان ما تم انتدابه إلى البحرين الخاضعة وقتذاك للحماية البريطانية وبدأت »أم جان« العمل في مستوصف الحكومة بالمنامة ومنه انتقلت إلى مستوصف متواضع في مدينة المحرق ثاني مدن البحرين واستقرت هناك إلى ما قبل وفاتها بقليل.

هذا ملخص قصة حياتها، ولكي لا تدوخنا التفاصيل، يكفي أن أشير إلى اللقب الذي التصق بها: »ام المحرق«. لقد كانت قابلة قانونية ولدت مئات إن لم يكن آلافا من البحرينيين في المحرق وغيرها من المدن. وكانت شقتها الصغيرة في نفس الحي الذي ولدت وترعرعت فيه وهو »حي المعاودة« بمدينة المحرق.

كانت صديقة لوالدتي وجدتي وكل نساء الحي وتزور البيوت ومجالس النساء ويحييها الرجال باحترام بالغ منادينها باسمها الاثير »أم جان«. بل إن بعض نساء المحرق ممن أشرفت على ولادتهن كن لا يذكرن اسمها الا مسبوقا بعبارات المودة الشهيرة لنساء البحرين: »فديت أم جان«.

هكذا، كانت تمثل ظاهرة بحد ذاتها، وفي مارس عام 2006، كانت »أم جان« موضوعا متجددا لزميلنا حسين المحروس الذي أنجز حلقتين نشرتا في صحيفة »الوقت« حول »أم جان« بعنوان »ام المحرق البيضاء«. تضمنت الحلقتان شهادات وافية من بعض معاصري »أم جان« وبحثا دقيقا حولها، لكن الجميع احتاروا في أمر واحد: ماذا كانت ديانتها؟

بعضهم قال انها »مسيحية«، والبعض الاخر قال انها تعتنق ديانة »البارسي« المنتشرة في الهند، أما أنا فرجحت أن تكون »أرمنية« اعتمادا على مؤشرين: أن عائلتها هاجرت من تركيا ابان مذبحة الأرمن، إضافة إلى أنها أكدت هذه المعلومة مرة في حديث لي معها. كما أن اسمها الأول كان يوحي بأنها أرمنية أو مسيحية على الأقل وهو كما حفظته ذاكرتي »روث لس«.

لكن نانسي خضوري صححت لي الاسم »روث موزيس«. اي »روث موسى«. هل فهمتهم العبرة؟ عاشت المرأة عقودا طويلة منذ العشرينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي بين أناس أحبوها واحترموها لكن لم ينتابهم الفضول لحظة لكي يسألوا أو يعرفوا ما هو دينها. المقارنة لا مناص منها مع حاضر يلي كل تعريف لشخص سؤال عن دينه أو مذهبه.

كاتب وصحافي بحريني

hmfadhel@batelco.com