حينما غادرت بلادي، السعودية، متجهاً للدراسة في أميركا، كنت قد أنهيت دراستي الجامعية في الرياض وعملت في الصحافة السعودية، بعد الجامعة، ثلاث سنوات. ومنذ خطيت خطوتي الأولى في معهد اللغة كنت أعرف جيداً أن رغبتي وطموحي وحلمي كان أن أكتب للصحافة في أميركا وأعمل في الإعلام الأميركي.
وفي مرحلة التدريب بصحيفة الجامعة في مدينة قصية بغرب فريجينيا تعلمت الدرس الأول والأهم في الصحافة: العمل الصحافي الذي ينقسم حوله الناس (ما بين مؤيد ومعارض، متفق ومختلف، معجب وكاره) هو عمل صحافي ناجح. والكتابة الناقدة هي مسؤولية أخلاقية ومهنية للكاتب الجاد فمبدأ النقد، ونقد الذات تحديداً، قيمة حضارية تقوى بها الأمم وتزدهر معها الشعوب.
آمنت بأهمية النقد لمجتمعي وضرورته فقديماً قال أجدادي: «رحم الله من أهدى إلى عيوبي». ولولا النقد ووجود «سلطة رابعة» تكون عينا للأمة على أداء الأجهزة التنفيذية وإحدى أدوات الردع في وجه التسلط والفساد لما تقدمت أمم تسود اليوم العالم في الشرق وفي الغرب.
عدت إلى وطني بعد سنوات طويلة من الاغتراب وكنت محملاً بقناعات جديدة تؤمن بالنقد وأهميته لبلدي وتعكس عمق قناعتي بأن الكتابة الناقدة هي أحد أوجه المواجهة القاسية مع الذات وخطوة ضرورية للخروج من مأزق التخلف والعيش الطويل بأفكار ما أنزل الله بها من سلطان عزلتنا عن حقائق اليوم وتحديات الراهن ومخاطره.
كنت ومازلت أذكر نفسي والقليل من زملاء الكلمة الناقدة بأن صاحب الرأي المختلف لابد أن يثبت عزيمته ويهيئ نفسه للتعامل الواثق بصبر وثبات مع ردود فعل قاسية لكنها متوقعة لأنها مهمة صعبة جداً أن تكشف الغطاء عن أفكار قديمة صارت مسلمات (ذات قدسية خاصة أحياناً) وتكون وحيداً في وجه صفوف طويلة رافعاً يدك إلى الأعلى وأنت تصرخ في الجموع الغفيرة: قف.
هذا خطأ! وحتى وإن كنت في غاية الثقة من صحة رأيك فأنت تعرف عز المعرفة (أو عليك أن تعرف) أنك لا تسعى لفرض رأيك على الناس لكنك تمارس حقك - وعليك أن تؤمن أشد الإيمان أنك تمارس حقاً من حقوقك - في التعبير وإبداء الرأي ولست وصياً على الناس!
لكنها حقيقة أثبتته عندي خبرة السنين الماضية: إن الكاتب الناقد في مجتمعاتنا العربية أمام مغامرة صعبة مثله مثل من يدخل يده في عش الدبابير أو - أحياناً - مثل من يدخل يده في جحر مليء بالثعابين!
غير أنها مغامرة مع الأيام تصبح رحلة ممتعة حينما ترى بنفسك أنها بدأت تؤتي أكلها فمن شكك في فكرك قبل سنوات قليلة بدأ تدريجياً يعيد قراءتك بمنطق وعقل، ومن دعا عليك أمام الملأ في خطبة جمعة قبل سنوات صار يبتسم في وجهك حينما يراك ومن سمع نميمة ضدك في الماضي القريب بدأ يشيد بوطنيتك وصدقك.
لكن ممارسة النقد في بيئة لم تعتد على النقد ما زالت مهمة قاسية وما زال لها ثمن يدفع بالتقسيط أحيانا أو في الأوان أحيانا أخرى. ولكل موقف ثمنه. فإن تُحرم من حقك في التعبير عن رأيك (وهو رأي في سياق المصلحة الوطنية الكبرى) فأنت تتعرض لظلم علني عليك أن تعده في قائمة التضحيات الوطنية التي لابد أن تسجل لك.
مرت منطقتنا وما زلت بشتى أشكال الرؤى والمواقف المتطرفة (من اليمين إلى اليسار ومن أصولية دينية عنيفة إلى مفاهيم ليبرالية سطحية وشكلية تافهة). انشغلنا عن الأسئلة التنموية الكبرى بسجالات شكلية وبمحاولات لتصفية الحسابات القديمة والجديدة بين تيارات وأصوات تمارس الإقصاء ضد بعضها وفي عز الظهيرة والكل يزايد على الوطن والانتماء.
وفي وسط تهيمن عليه لغة المماهاة والمجاملة و«جبر الخواطر» تكون الكتابة الناقدة ضرورة حضارية مهما زادت حدة الرقابة وآلام الإقصاء. وعليك - إن كنت تتجرأ بالتعبير الحر والناقد - أن تهيأ نفسك (في الصبح وفي المساء) للتعامل بصبر وتفاؤل مع شتى ردود الأفعال - مهما قست - وما يتبعها من مواقف وأفعال.
على مدى الأسبوع الماضي، تلقيت رسائل غاضبة، في أغلبها، وتعليقات في كثير منها قسوة وعتب وأحياناً دعاء لا يليق بمسلم أن يوجهه لأخيه المسلم مهما اختلف معه. كان مقالي في (البيان) الأسبوع الماضي بعنوان (من جاهلية «الوعظ» إلى ابتذال الفضائيات) قد أغضب كثيرون ممن خلط بين «الواعظ» و«العالم» ومن يخلط بين نقد الناس ونقد الدين أو من يحكم عليك من خلال صورتك أو عنوان مقالك.
الواعظ ليس فوق النقد ولا تحته وليس من القداسة بشيء كيلا ينتقد أو نختلف معه. قارئ كريم بعث لي ينصحني ألا أخلط بين فكر المجتمع الذي جئت منه وفكر أهل الإمارات غير أن قراءة العشرات من الرسائل الغاضبة طيلة الأسبوع الماضي جعلني على يقين أننا كلنا (في المنطقة) نغرف من ذات الفكر.
وننطلق من نفس الرؤى فنفس الموضوع الذي أثرته هنا قبل الأسبوع هو نفسه الذي أثرته في موطني الآخر قبل سنوات وها أنذا - من جديد - أتلقى نفس الردود بنفس اللغة ونفس الغضب والعتب وحتى الدعاء! وإذا كنا قد انكوينا بمشكلة ما في مكان ما من عالمنا العربي أفلا يجب الحذر من تكرار الأذى في مكان آخر من جغرافيتنا الواسعة؟
إن خوفي على مجتمعي هنا لا يقل أبداً عن خوفي على مجتمعي هناك. وأهلي الكرام في دبي أو العين أو رأس الخيمة لا يختلفون كثيراً عن أهلي الكرام في الرياض أو أبها أو تبوك أو الدمام. وحينما أحذر من جهالات الوعظ الذي يتصدى له البعض مما لا يملك تأهيلاً أو عمقاً فكرياً أو قراءة واعية لظروف المجتمع.
فلأن التجارب المؤلمة والقريبة من حولنا تحملني مسؤولية التحذير - قدر المستطاع - من الوقوع مجدداً في «فخ» الخطابات التي تتلاعب - بجهل - بعواطف الناس ونواياها الطيبة في وقت نحن بحاجة كبرى أن نتعامل فيه بلغة مختلفة ووقفة جادة كون تحدياته ضخمة ومخيفة لأننا اليوم فعلاً إزاء ضياع كبير في الهوية والقيم ولأننا - فيما يبدو - قد نضل طريقنا إلى المستقبل!
وللتيه بقية!
كاتب ومستشار إعلامي