اختار المرشح الديمقراطي باراك أوباما أن يعتذر عن الحصول على المال العام لتمويل حملته الانتخابية التي سوف ينافس فيها المرشح الجمهوري جون ماكين. وهو القرار الذي يعني أن المرشح الديمقراطي على ثقة بأنه قادر على أن يجمع بنفسه ما يكفي لتمويل حملته الانتخابية منذ هذه اللحظة وحتى يوم الاقتراع العام في نوفمبر القادم.
ولعل أوباما محق في تلك الثقة. فالمال العام المرصود يبلغ 84.1 مليون دولار لكل واحد من المرشحين الرئيسيين- أوباما وماكين- في الوقت الذي كان أوباما قد جمع مايصل إلى 263 مليونا لحملته التمهيدية التي انتهت بفوزه بترشيح الحزب.
ويمثل قرار أوباما بالاعتذار عن قبول المال العام سابقة هي الأولى من نوعها في انتخابات الرئاسة. فتلك هي المرة الأولى التي يتخذ فيها أحد مرشحي الحزبين الكبيرين مثل هذا القرار منذ أن صدر القانون الذي نص على توفير المال العام للإنفاق على حملات الرئاسة في السبعينات من القرن الماضي.
فرغم أن الكثير من المرشحين للرئاسة قد اختاروا طوال الأعوام السابقة التخلي عن المال العام في المرحلة التمهيدية ( ومنهم جون كيري وجورج بوش الابن) إلا أن أحدا من المرشحين لم يتخذ مثل هذا القرار بالنسبة لحملة الخريف أي تلك التي تدور بين الحزبين بعد انتهاء المرحلة التمهيدية التي تدور بين مرشحي كل حزب.
وقانون تمويل الحملات الانتخابية الذي صدر في السبعينات كان نتيجة مباشرة لفضيحة ووترجيت التي كشفت عن دور بالغ الخطورة للمال في السياسة. وقد نص القانون- ضمن ما نص عليه- على أن تقدم الخزانة الفيدرالية تمويلا للمرشحين لمنصب الرئاسة يساعدهم على الإنفاق على حملاتهم الانتخابية.
وقد كان الهدف من وراء ذلك هو تقليص حاجة هؤلاء المرشحين إلى أموال الأثرياء وجماعات المصالح. لكن القانون جعل الحصول على ذلك المال العام اختياريا، أي من حق المرشح أن يقبله أو يرفضه. فإذا ما قبله فإنه يلتزم في مقابل ذلك بسقف لحجم ما يمكنه إنفاقه من أموال طوال الحملة، تحدده اللجنة الفيدرالية لمراقبة الانتخابات.
أما إذا ما اعتذر عن قبوله، فإن من حقه أن يجمع ما يشاء من الأموال بل وينفق ما يشاء منها طالما التزم بالقواعد المنصوص عليها في القانون نفسه بشأن الإفصاح عن مصادر التمويل، والحجم المسموح بالحصول عليه من كل فرد أو جماعة مصلحة... الخ. ولذلك ينظر عادة إلى قبول المرشح الحصول على المال العام باعتباره مؤشرا يدل على رغبة المرشح في المساهمة في الحد من نفوذ الأثرياء وجماعات المصالح على العملية الانتخابية.
لذلك حين أعلن أوباما أنه لن يقبل التمويل من المال العام اعتبر البعض أن هذا القرار يمس صورة أوباما باعتباره المرشح الذي يسعى للتغيير وإصلاح الحياة السياسية وتخليصها مما تعاني منه من علل بما فيها دور المال في السياسة. خصوصا وأن أوباما بهذا القرار كان قد حنث بوعد كان قد قطعه على نفسه (في 2007 ثم كرره في فبراير من العام الحالي) وتعهد فيه بقبول المال العام في حال فوزه بترشيح الحزب وقبول منافسه الجمهوري بالحصول على المال العام هو الآخر.
لكن حملة أوباما كانت قد قدمت حتى الآن جديدا على صعيد التمويل يفتح الباب أمام قراءات مختلفة لهذا القرار. فلعل أهم ما أنجزته حملة أوباما في المرحلة التمهيدية كان براعتها في استخدام شبكة المعلومات لجمع التبرعات للحملة. وهى التي كانت تبرعات صغيرة من مواطنين عاديين تتراوح الواحدة منها بين 90 دولارا و200 دولار.
بعبارة أخرى، فإن حملة أوباما التي لم تعان يوما طوال المرحلة التمهيدية من نقص التمويل اعتمدت بدرجة كبيرة على المواطن العادي لا على جماعات المصالح أو الأثرياء. وقد سار أوباما في هذا الصدد على خطى حملة هوارد دين الذي كان مرشحا للرئاسة في 2004 وكان أول من برع في جمع التبرعات الصغيرة.
إلا أن أوباما طور ما فعله هوارد دين ووصل به إلى مستوى أعلى بكثير من حيث حجم الأموال التي تم جمعها، وهو الأمر الذي جعل حملة هيلاري كلينتون تلهث طوال الوقت سعيا للحاق بأوباما دون جدوى فخرجت من السباق وحملتها تعاني عجزا ماليا مذهلا لا يتناسب مع شبكة علاقاتها الضخمة التي تكونت عبر عقود طويلة من العمل العام.
إلا أن تفوق أوباما في مجال التمويل إذا ما قورن بكل من هوارد دين 2004 وهيلاري 2008 كان راجعا إلى أنه جمع بين هذه الطريقة غير التقليدية في جمع الأموال والطرق التقليدية المعروفة. فقد جمع أوباما في الحملة التمهيدية 263 مليون دولار كانت 47 % منها هي التي جمعت من تبرعات صغيرة بينما جاء الباقي من المصادر التقليدية التي يستخدمها كل المرشحين.
ومن هنا، يصبح من السابق لأوانه الحكم على قرار أوباما وما إذا كان سيسهم في إفساد السياسة بالمال أم سيساعد في تخليص السياسة من سطوة الأقوياء. فإذا ما حرصت الحملة على توسيع نطاق الاعتماد على التبرعات الصغيرة فإن من شأن ذلك أن يقلص من دور جماعات المصالح وتأثيرها على أوباما إذا ما فاز بالرئاسة، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه للحد من نفوذ جماعات المصالح في السياسة عموما.
أما إذا توسعت حملته في جمع الأموال من الأثرياء والأقوياء، على حساب الاهتمام بجمعها من المواطن العادي، فإن قرار أوباما بالاعتذار عن قبول المال العام سيكون بداية جديدة لطغيان المال وزيادة سطوته في عملية صنع القرار السياسي في أميركا لسنوات طويلة مقبلة.
كاتبة مصرية
