بعض دعاوى المنطق الذي يفتقر في رأيي إلى المنطق، هو محاولة تبرير تدمير الاحتلال الأنجلو-أميركي للعراق بالقول بأنه كان لازماً لتغيير النظام الدكتاتوري السابق وحين يرد عليه بأنه إذا كان أي قانون في أي وطن يجرم أي محاولة انقلابية داخلية لتغيير نظام الحكم القائم بالقوة، فمن الأولى تحريم وتجريم أية محاولة انقلابية خارجية.
وبالتالي فلا حق ولا مشروعية قانونية دولية لقوات احتلال غازية في تغيير نظم الحكم القائم في الدول الأخرى بالقوة، لأن الشعوب وحدها هي المعنية بتقرير مصائرها دون تحريض أو تدخل خارجي.
يجادل أصحاب هذا المنطق بالقول، لكن الشعب العراقي لم يغير النظام الدكتاتوري لصدام حسين، لأنه لم يستطع القيام بذلك، ولم يكن هناك بديل لتغيير النظام إلا بالتدخل العسكري الأميركي لمساعدة الشعب العراقي في إقامة الديمقراطية.
وحين يرد عليه بأنه إذا سلمنا جدلا بهذا الكلام فإنه لا يغيب عن أي عقل سوى أن الاحتلال، أي احتلال هو أفظع أشكال الدكتاتورية، وأقسى أنواع إذلال الشعوب، وبالتالي عليكم بالبحث عن حجة أخرى يمكن مناقشتها غير حكاية الديمقراطية تلك!!..
يجادل أصحاب هذا المنطق مرة أخرى قائلين.. هل تنكر أن العراق الجديد أقام نموذجا ديمقراطيا جديدا على النموذج الدكتاتوري السابق؟ ألم تر طوابير العراقيين يدلون بأصواتهم أمام صناديق الانتخاب لانتخاب ممثليهم في البرلمان رغم تهديدات الإرهاب؟ وألا يعني هذا أن العراق الجديد تحت الاحتلال بات أكثر ديمقراطية مما كان عليه في عهد الدكتاتورية؟!
وحين يقال لهم... أليس لديكم سوى تلك الاسطوانة المشروخة عن الديمقراطية تحت الاحتلال؟!.. عن أي عراق جديد وعن أية ديمقراطية وعن أية وحدة وطنية وعن أي إرهاب تتحدثون بينما الاحتلال هو أبشع درجات الإرهاب؟!
عن عراق جديد تم احتلاله من جديد بواسطة الإنجليز والأميركان بعد استقلاله عن الإنجليز بمقاومة شعبه للمحتلين منذ ثورة العشرين، بينما الجديد الذي يبدو في عراق اليوم هو أن الشعب العراقي على اختلاف تياراته السياسية والمذهبية يقاوم الأميركيين أيضا بعد ما كان يقاوم الانجليز فقط؟!
أم عن عراق تم تدميره وتقسيمه، ونهب ثروته النفطية لصالح الشركات الأميركية والإنجليزية، وقتل أكثر من مليون مواطن من مواطنيه على أيدي المعتدين المحتلين، وإصابة الملايين من أبنائه وتشريد أربعة ملايين من شعبه ليصبحوا لاجئين مشردين بعد أن كانوا مواطنين مستقرين في وطن غير محتل ولو كان غير ديمقراطي؟!
وعن أية وحدة وطنية وعن أية حكومة وحدة تتكلمون، بعدما انتهك الاحتلال السيادة الوطنية، وأشعل الفتنة الأهلية الدموية البشعة بين أعراقه وطوائفه ومذاهبه الدينية عملا بالسياسة الاستعمارية القديمة «فرق تسد»؟
فهل يمكن لحكومة عراقية مهما قالت إنها منتخبة وليست عميلة للاحتلال بينما هي في الواقع تحت حماية قوات الاحتلال وفي وطن منتقص السيادة، أن تكون في وضع يمكنها من فرض إرادتها على إرادة حكومات الاحتلال الأنجلو-أميركية؟!..
خصوصاً مع الخلافات السياسية الحادة حول المسائل الوطنية والعرقية والطائفية والمذهبية التي قدمتها إلى الواجهة أجندة الاحتلال القمعية باسم الديمقراطية ولم تكن موجودة في ظل الدكتاتورية؟! وبشيء من العقل، هل هناك حرية لمواطن في غياب حرية وطن؟!