ثمة حالة ارتداد هبوطي، تتشكل تباعاً؛ في الساحة الأوروبية. ما كان مألوفاً فيها، لجهة التمايز عن، أو على الأقل عدم التطابق مع واشنطن حيال قضايا المنطقة؛ بدأ يتآكل ويتراجع. البديل الذي أخذ يتشكل، متقاطع، بل هو يتماهى أكثر بكثير من السابق؛ مع توجهات وسياسات إدارة الرئيس بوش.
انعطافة تتباين مع الموقع الذي اختارته القارة، خاصة عواصمها الوازنة؛ قبل سنوات قليلة، كانت ذروتها عشية الحرب على العراق. بدأ هذا التحول يأخذ مجراه ويتبلور، مع مجيء قيادات جديدة،؛ بعد خروج رعيل شيراك وشرودر، من الحكم.
وقد تجلّى ذلك من عدة نواح؛ تراوحت بين التغطية على انتهاكات واشنطن، في «الحرب على الإرهاب»؛ وبين الاندلاق أكثر فأكثر،في الحضن الإسرائيلي. منظمة العفو الدولية - أمنستي -، وجهت في تقريرها، إصبع الاتهام إلى أوروبا، لتورطها في قضية السجون السرية، التي تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، سي - آي - أيه، لاحتجاز المشتبه بهم من الإرهابيين.
الدول الأوروبية التي تقول المنظمة بأنها لها علاقة بهذا الملف السرّي، تواصل نكران معرفتها بالأمر ودورها فيه. وكان قد جرت مفاتحتها، من جانب منظمات حقوق الإنسان، ومطالبتها بالكشف عن المعلومات والتفاصيل، التي تملكها. لكنها بقيت على تكتمها.
كما رفضت فتح تحقيق بالاتهامات الموجهة إلى أجهزتها الأمنية، بارتكاب انتهاكات، في هذا الخصوص. ولا قبلت بالتحقيق في المخالفات التي جرت فوق أراضيها. والمعلوم أن ملف السجون هذه، مفتوح منذ فترة ومعروفة تفاصيل كثيرة حوله؛ كشفتها وسائل الإعلام، الأميركية والأوروبية.
ثم حجب الإعلام نظره عنها؛ لتبقى ملاحقتها محصورة بالمنظمات الإنسانية؛ من باب أنها تخلّ بحقوق المعتقل الأساسية، في الزيارات والمحاكمة العلنية وحق الدفاع عن النفس أمام المحاكم المختصة.
أما على صعيد إسرائيل، فيبدو أن أوروبا قررت مغادرة موقع التوازن المألوف، منذ حين، نحو موقع التأييد الفاقع؛ الذي يحاكي الانحياز الأميركي لتل ابيب. قبل أيام فتح لها الاتحاد الأوروبي أبوابه، على مداها. وافق على طلبها الانضمام إليه كعضو، تقريباً.
بذلك صار لها حق المشاركة في النقاشات والأمور السياسية والاستشارية. الأمر الذي يضعها على طريق العضوية الكاملة؛ في وقت لاحق. على الأقل هو ربطها بالقارة عن طريق أهم مؤسساتها. والمعروف أن المغرب كان سبق له وطلب مثل هذه العلاقة.
لكن طلبه بقي في الثلاّجة. تركيا أيضاً بذلت الجهود المعروفة، لكنها لم تنل سوى الوعد بالنظر في طلبها وبعد خمس عشرة سنة. هذا فضلاً عن موجات التأييد والتطمين والاحتضان، التي تدفقت عليها بدون حدود، اثناء زيارات ميركل وساركوزي؛
فضلاً عن بيرلسكوني وتصريحاته فور انتخابه؛ من غير إشارة لاحتلالها وممارساتها ومستوطناتها، إلاّ من طرف اللسان وبخجل. أوروبا تبدو، الآن، وكأنها مصابة بحنين جارف إلى ماضيها. معاييرها وسياساتها تعاني من حالة هبوط؛ تفوح منه رائحة التحاق مكشوف بواشنطن.
