ليس من المبالغة في شيء القول ان الاجتماع الذي استضافته المملكة العربية السعودية الشقيقة في مدينة جدة والذي شارك فيه ممثلون رفيعو المستوى للمنتجين والمستهلكين للنفط يعبر عن إدراك عميق من جانب كل الدول المنتجة والمستهلكة للنفط لحقيقة استراتيجية راسخة هي ان الطاقة واسعارها مثلها مثل الغذاء قضية مشتركة لكل الاطراف المعنية. وانه من غير الممكن ان تتخذ خطوات مؤثرة فيها بواسطة أحد الاطراف فقط دون الطرف الآخر لان المنتجين والمستهلكين هم ببساطة الذين يحددون توجهات السوق وطبيعة ما قد تتعرض له من تقلبات.
ومع الوضع في الاعتبار ما تمخض عن مؤتمر جدة من توصيات، هي اقرب الى الآمال منها الى القرارات، باعتبار ان التعاون بين المنتجين والمستهلكين هو تعاون إرادي نابع من رغبة الجانبين وحرصهما على تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، فان الزيادة في انتاج المملكة العربية السعودية من النفط 200 - الف برميل يوميا اعتبارا من بداية شهر يوليو القادم - قد صاحبها توافق واضح بين الدول المنتجة والمستهلكة حول اهمية وضرورة تحقيق درجة عالية من الشفافية في اسواق النفط وفي التجارة العالمية للنفط كذلك من اجل الحد من تأثير المضاربات على أسعار النفط في الاسواق العالمية والتي ارتفعت الى مستويات قياسية لم تحدث من قبل.
واذا كانت الدول الاخرى المنتجة للنفط قد احجمت عن الاعلان عن زيادة انتاجها النفطي انتظارا للاجتماع القادم لاوبك من ناحية، واقتناعا بان الارتفاع في اسعار النفط في الاسواق العالمية لا يعود الى نقص المعروض بقدر مايعود الى المضاربات والى انخفاض سعر صرف الدولار في الفترة الاخيرة من ناحية ثانية، فان من ابرز ما تمخض عنه اجتماع جدة الاقتراح الخاص بالتعاون بين الدول المنتجة للنفط وعدد من المؤسسات الدولية من اجل توفير نوع من المساعدات او المنح والقروض للدول النامية التي تتضرر بشدة من الارتفاع في اسعار النفط، خاصة وان تلك الاضرار يمكن ان تتسع وتمتد الى جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية بالتبعية.
صحيح أنه كانت هناك بعض المبادرات الخاصة والمحددة من جانب هذه الدولة المنتجة للنفط او غيرها عبر تقديمها كميات من النفط لدولة او اخرى بأسعار تفضيلية او مخفضة، واحيانا بالمجان، إلا ان الاقتراح الذي انطلق في مؤتمر جدة يتسم بأنه اقتراح عام وواسع ويمتد الى الدول النامية الفقيرة التي تئن من ارتفاع فاتورة وارداتها النفطية. ومن المأمول ان يؤدي تنفيذ هذا الاقتراح عمليا الى تخفيف العبء عن دول وشعوب عديدة في المنطقة وخارجها، حتى تستقر اسعار النفط عند مستويات تخدم المنتجين والمستهلكين على السواء.
واذا كان الارتفاع الشديد في اسعار النفط بدأ يطرح آثاره على هذا الجانب الاقتصادي او ذاك، فان النشاط الملحوظ في مجال الابحاث الخاصة ببدائل النفط من انواع الوقود الاخرى سيحتاج بالضرورة الى سنوات عدة قبل ان تتبلور النتائج في شكل منتجات او سبل قادرة على الحد من استخدام النفط ومشتقاته. ومعنى ذلك انه لامناص من التعاون الجاد والواسع ايضا بين الدول المنتجة والمستهلكة للنفط لخدمة المصالح المشتركة والمتبادلة الآن وفي المستقبل المنظور، اذ ان الافضل هو زيادة الاستثمارات في صناعة النفط بكل مراحلها لان تبادل الاتهامات لن يحل شيئا.
