تكمن مشكلة التجربة الديمقراطية في بلدان متخلفة أو دول عاشت نمطا من الحكم لم يتح لشعبها التعلم من ثقافة الحوار وأدبه على مستوى الإعلام ورجال السياسة ونواب البرلمانات بتشوهات عرجاء، فهم يظلون مسكونين بخطاب قديم تعلموه وهم تحت أدوات القمع من جهة وخلف جدران بيوتهم، أو فيما وراء العمل السري.
وحالما يخرج الجميع في تلك البلدان ويتحدثون في فضاء مفتوح يشاهده الجميع وينقل على شاشات التلفاز والإذاعة أو غيرها نراهم يصابون ببعض من الارتباك أو استعراض القوة والمحاجة والمماطلة التي لا جدوى منها، متوهمين ان ذلك هو الحوار العقلاني الحقيقي لرجل منح لقب النائب وممثل الشعب داخل قبة البرلمان.
ولسوء القدر وسخرياته يصل مثل أولئك النواب إلى تلك المقاعد، حيث يشكل النائب المهرج نمطا من النواب الأقرب إلى جمهوره الساذج الذي قام باختياره، لهذا ليس النائب إلا انعكاسا لنمط من المحيط الثقافي والسياسي الذي يتعرج في بيئة متقلبة وقائمة على شراء ذمم الناس بتلك المنح البائسة لكي يتم شراء أصوات البسطاء الذين تم خداعهم تحت أغطية وشعارات دينية وخيرية أكثر ارتباطا بالإصلاح الاجتماعي والمؤسسات الخيرية منها عن تلك المؤسسات السياسية الأكثر وعيا بمصالحها ومصالح كياناتها المتميزة ضمن الصراع الاجتماعي.
ذلك النائب وذاك الناخب حصيلة واحدة لمحيط مشترك. وحالما يخرج المجتمع والدولة في بلد لم تكن الديمقراطية فيه عملية مستمرة من التجذر التاريخي العميق والتراكم الناضج لتجربة ثرية، فإن من الطبيعي أن تبرز لغة مستهجنة ومبتذلة بين النواب والتيارات، خاصة عندما يصبح النائب فارغا من مشروعه وبرنامجه السياسي، فيحيل الحياة النيابية إلى ملعب سيرك ويتحول خطابه وسلوكه إلى سلوك المهرج،.
وكل ما يجيده هو استفزاز الآخرين لكي تبدو صورته مثيرة للجدل، فينشغل المجتمع بقضايا هامشية لا تستحق كل تلك الصدامات، بل ويجد المهرج السياسي في كل ما يثيره سعادة قصوى، إذ يخفي تحت بطانته مشروعه الانقسامي بهدف إثارة كل مظاهر الفتنة معلنا في مجالسه وبصوته المكشوف انه واضح وصريح فيما يقول بل ومتحد وشجاع في مواجهة الآخرين.
وبدلا من فهم الفارق والاختلاف بين لغة وخطاب الصحافة والمجالس الخاصة والدكاكين الشعبية ولغة أكثر مسؤولية تحت قبة البرلمان كونه ليس في بيت الشعب وحسب، بل وممثلا لشريحة من الشعب قررت انتخابه لتمثيلها والتحدث باسمها متنقلا ما بين مساحة دائرته ومساحة ودائرة مصالح الشعب كله.
مما يضاعف من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية في تحمل معنى لياقة الكلام وحدود المسموح والممنوع، خاصة فيما يتعلق بالرموز والشخصيات والقيم والمبادئ التي أعلن الدستور عن ضرورة احترامها وتجنب الإساءة لها مهما كان الثمن، دون أن يلقي ذلك حق الفرد أيا كان وضعه وموقعه في توظيف خطاب النقد وتصحيح المسارات والاعوجاج والانحرافات والفساد.
وبدلا من الوقوع في شرك الخطابات السوقية كان على نائب الشعب أن يدرك ما معنى المسؤولية السياسية والأخلاقية لنواب الشعب وهم يمارسون حصانتهم دون أن ينسوا أن الحصانة التي منحت لهم لكي تحميهم من اعتداء الآخرين دون وجه حق، فيما هم يتخطون حدود النقد إلى حدود الإساءة.
ما حدث في الأسبوع الفائت في البحرين من إثارة أهاجت الطائفة الشيعية واستنفرت قواها عندما لم تحتمل سلوكيات النائب السلفي وهو يتخطى أدب الحوار في ألفاظه وسلوكه وعدوانيته.
والتي فسرتها الطائفة الشيعية بكل رموزها الدينية والسياسية على أنها محاولة إلى إدخال شعب البحرين في فتنة وتمزيق لوحدة الشعب البحريني وتغليب النعرة الطائفية بين طوائف الشعب بإشعال الفتنة بينها.
ولم تكن تلك الحالة الانفعالية لدى الطائفة الشيعية نابعة من الفراغ واللحظة بقدر ما كانت هناك تراكمات طائفية في اللغة والسلوك والنوازع والنوايا والأهداف الخفية لم تكن محتملة «مما أشعل فتيل الغضب فجاءت المسيرة الكبرى قبل أسبوع تعبيراً عن حضور سياسي حقيقي لصوت الطائفة وعقلها، فبدت مسيرة المئة ألف متظاهر.
وقيل اقل بكثير ولكن الرقم لم يكن عاديا فأثار ارتباك الحكومة التي هبت مسرعة في الإعلان عن أن «الوطن فوق الطوائف والمصالح الضيقة» لكي تعيد للشارع هدوئه وتخفف من تصاعد التوتر المستمر.
وقد ا نشغل الشارع البحريني خاصة السياسي منه بتلك الغمامة السياسية التي أضاعت الرؤية الفعلية لمسألة تلاحم الشعب من اجل القضايا الجوهرية كالمتعلقة بالوحدة الوطنية وتماسك النسيج الاجتماعي للوطن والشعب. ولم يكن غبار الطقس السيئ اقل خطورة من انفلات الشارع السياسي نحو روح الكراهية والفتنة.
ما تمخض في الصحافة المحلية من وعظ وإرشاد وتكرار المقالات وعناوين وخطب حماس تعودناها مرارا حول مسألة معنى الولاء للوطن ومعنى الولاء للدين والطائفة، وكيف نفهم المسافة والاختلاف بينهما متى ما تم اختلاط الأمور والخلافات بين الطوائف والأعراق والقيم والعقائد الدينية التي تقتضي احترامها واحترام معتنقيها كحق إنساني في الممارسة والاعتقاد.
ما تم إشعاله مؤخراً لا ينبغي أن يعود إلى واجهة الحياة السياسية ولا داخل خطابها الإعلامي والنيابي، فكلها لا تعبر عن مستوى المسؤولية المناط بالنواب المعبرين عن صوت الشعب، والذي وحده معنيا برفض الطائفية وبلجم كل نائب يمارسها ويشعل فتيلها البغيض.
لقد كانت البحرين في سياقها السياسي الجديد ومشروعها الإصلاحي الباحث عن تمرين عام لعوالم ديمقراطية مستقيمة سقطت في عمق البئر وخرجت منه عرجاء مصابة بخلل يحتاج إلى علاج طويل ولا يمكننا إغفال حقيقته حتى وان دفنا رأسنا في التراب كالنعامة فجسد الديمقراطية لا يشفى في فضاء مشبع بتوترات طائفية.
فقد صارت البحرين بلدا مقسما بذلك الاستقطاب ليس كحقيقة تاريخية قديمة وإنما بفعل الواقع المرير الذي تم تكريسه كعنوان للتمييز الاجتماعي بين الشعب. وبذلك تكون البلد ضحية للتجاذب والتنمية والاستقرار في امتحان صعب.