من كان يشكك ولو للحظة بحتمية التغييرات الجيو سياسية التي شهدتها القارة الأوروبية خلال التسعة عشر عاما الماضية، كان يفترض به الحضور إلى وسط أوروبا ليشهد مسرحية جديدة من مسرحيات الانتماء السياسي التي تلوّنت بها احتفالات ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية والانتصار على الفاشية.
فقد امتدت تلك الاحتفالات أياما طويلة حاول من خلالها السياسيين تأكيد بعض الحقائق التي صبغت كياناتهم بلون واضح لا يخضع للجدل أو المساومة: الانتماء للغرب «الديمقراطي» نصا وروحا وممارسة.
انقلاب الصورة كان واضحا بكافة التفاصيل المرافقة للاحتفالات، بدءا بالخطابات السياسية وانتهاء بالبهرجة التي تزين ساحات المدن المختلفة.
والعلامة الفارقة المميّزة في كل ما يجري هو أن اللون الأحمر لم يعد طاغيا على هذه الاحتفالات كما كان الحال أبان العهود السابقة، بل أن العم سام بألوانه الحمراء والزرقاء ونجومه بات سيد الخطابات والمواقف.
واحتل الساحات والشوارع. وقد يستغرب الزائر لبعض مدن أوروبا الشرقية حاليا، وخصوصا المجرية والتشيكية منها، عندما يرى كثافة الأعلام الأميركية خلال استعراض الحافلات العسكرية التاريخية في الاحتفالات المختلفة، في حين انكفأت الأعلام السوفييتية ووريثتها الروسية بخجل واضح إلى ما خلف المنصات الرسمية.
الغريب في الأمر أن المدن التي رزحت تحت احتلال نازي شديد وشعرت بمرارة الهزيمة على يد الجيش النازي وحلاوة النصر على يد القوات الدولية الحليفة، لم تجد حرجا بالتلاؤم مع التغييرات التي صبغت مواقف أنظمتها الحاكمة حاليا، و«نقلت البندقية من كتف إلى آخر» كما يقول المثل الشعبي في هذه المنطقة من العالم. فبدلا من أن تستعرض انتصارها على الطريقة السوفييتية القديمة، باتت تفعل ذلك على الطريقة الأميركية.
وقد لا يكون في ذلك مشكلة بالطبع طالما أن المواقف الرسمية لم تنس الدور الهام جدا الذي مارسه الاتحاد السوفييتي في تلك الحقبة الفاصلة من التاريخ العالمي، بالإضافة إلى التضحيات الجسام التي قدّمها الشعب السوفييتي بكافة تلاوينه القومية والعرقية، ناهيك عن الدور العسكري للجيش الأحمر الذي استحق لقبه من خلال العدد الهائل من جنوده الذين سقطوا على أرض المعارك، وصولا حتى برلين التي شكّل اقتحامها بداية نهاية الحرب المأساوية.
لكن الفريد في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية أنها تحلّ على وقع الخلاف الحاد القائم بين الولايات المتحدة وحلفائها الجدد من جهة، وروسيا والمتعاطفين معها من جهة أخرى، حول بعض القضايا الاستراتيجية التي باتت مسألة تحقيقها تنذر باحتمال تجدد المواجهة بين أقطاب متفرقين في الانتماء الإيديولوجي لكن حدود تأثيرهم لا تزال غير واضحة تماما.
ولا شك بأن الدرع الواقية من الصواريخ المعادية تشكل في الوقت الحاضر أحد أبرز المنعطفات الاستراتيجية التي تسعى من خلالها الولايات المتحدة لتعزيز تواجدها العسكري في منطقة النفوذ السوفييتي السابق. وهي استفادت بالطبع من التغييرات الهامة التي حدثت في تلك الدول وصهرت بعضها في الأحلاف العسكرية والسياسية الغربية، ثم انطلقت من الوقائع الجديدة لتنفذ خطة جديدة تسعى من خلالها لتقريب دول أخرى يعتبرها الروس حتى يومنا هذا جزءا من حدودها الحمراء التي لا يجب تجاوزها بأي شكل من الأشكال.
أما الدول الصغيرة المتورطة في ذلك المشروع مثل تشيكيا وبولندا فهي تهدف من خلال مشاركتها تكريس أكثر من هدف، لا سيما ذلك المتعلق بتأكيد خياراتها الاستراتيجية التي تبنّتها منذ انطلاق التغييرات السياسية في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وأبرزها الإصرار على الانتماء إلى الغرب بكافة مكوّناته وتفاصيله، بغض النظر عن الصبغة السلافية التي تلوّن ثقافتها الشعبية والتقليدية وتدعو البعض للاعتقاد بأنها يجب أن تقربها في حقيقة الأمر من الشرق وليس العكس.
وانطلاقا من هذه الحقائق تبرز المسألة الثانية التي تجسد انقلاب الصورة في كل ما يجري على الساحة الأوروبية في خضم استذكارها للحرب العالمية الثانية، والتي تتجسد بالإصرار على استمرار عملية توسيع حلف الناتو باتجاه الشرق، وتحديدا إلى مقربة مثيرة للاهتمام من الحدود الروسية التي سبق أن وصفناها بالحمراء.
هذا الأمر يثير حتى الآن سلسلة من علامات الاستفهام حول ما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل القريب في ظل المواقف المتشنجة التي نرصدها من كلا المعسكرين، حيث أن أكثر المحللين تفاؤلا يبشرون بمواجهة حادة على الصعيد الدبلوماسي إن لم نقل بحرب باردة جديدة بينهما، وهو ما باتت تعكسه مواقفهما بشكل واضح وصريح.
ولعل الأمر الملفت للانتباه في ما يجري حاليا، هو أن الهجوم التوسعي إن صح التعبير يتم من طرف واحد وهو حلف الناتو، في حين تبدو الساحة الأوروبية (وربما العالمية) مفتقرة لقطب مواجه على غرار ما كان عليه حلف وارسو، وهو ما يعكس بطبيعة الحال ميزان القوى القائم في العالم حاليا.
في خضم كل هذه الأحداث حلّت ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية التي اعتبرت من قبل بعض المؤرخين بأنها الأكثر كلفة في التاريخ، حيث فاقت تكاليفها المادية جميع الحروب المعروفة في تاريخ البشرية وقدّرت بحوالي 5 ,1 بليون دولار. أما العدد الإجمالي للقتلى فبلغ حوالي 54 مليونا وثمانمئة ألف شخص، منهم 25 مليونا من سكان الاتحاد السوفييتي لوحده.
لعل المفارقة الأبرز في انقلاب الصورة التي نتحدث عنها هو ما شهدناه مؤخرا في تشيكيا التي احتفت بالمناسبة على طريقتها «الأميركية» الخاصة في ظل محاولات مقلقة من قبل البعض لتشويه مقابر الجنود السوفييت الذين قضوا أثناء تحرير تشيكوسلوفاكيا السابقة.
وللتذكير فقط: فقد الجيش السوفييتي خلال هذه العملية 144 ألف جندي، في حين فقد الجيش الأميركي الذي حرر مدينة بلزن وبعض الأقسام الجنوبية الغربية لتشيكيا ما بين 200 إلى 300 جندي.
