يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي
هكذا هو الإنسان كلما قرأ كتاباً اكتشف مواضيع جديدة أكدت له جهله وحاجته إلى مزيد من العلم والمعرفة، فالكتاب ليس خير جليس فحسب، إنما هو غذاء العقل وعلاج الفكر، فالإنسان مهما تعلم وقرأ، هناك أشياء كثيرة يجهلها.
في الفترة الأخيرة قرأت كتاب «ترويض الخوف» «لبيت كوهين» خبير الحياة الاستراتيجي لقناة «GMTV»، ومع أن الكتاب موجه ومفيد لكل فئات المجتمع، لكني أعتقد أنه مهم أكثر للشباب في بداية حياتهم العملية.
الكتاب واضح من عنوانه، والكاتب يتحدث فيه عن الخوف الذي يرافق الإنسان في حياته اليومية، ويطرح في بدايته عدة تساؤلات حول أنواع الخوف وأسبابه، منها:
هل تخاف من الوقوع في الخطأ؟ هل تخاف أو تخشى الفشل؟ هل أنت راض عن حياتك كما هي لأنك تخاف التغيير؟
ويجيب عن هذه التساؤلات بأفكار بسيطة ومقتطفات لأقوال بعض العلماء والمشاهير الذين كان لهم دور في تغيير مجرى حياتهم والإنسانية معاً، ويقول إن البعض منا يخاف دخول تجارب مع أنه عندما كان طفلاً مرّ بأكثر من تجربة إلى أن وصل إلى ما يريد دون أن يحد الخوف من محاولاته، لذا هو ينصحنا بتكرار المحاولات حتى لو فشلنا، كما كنا نفعل عندما كنا أطفالاً ما دمنا نريد التعلم والاستفادة والنجاح. فللنجاح ضريبة وهي عدم الوقوف عند حد أو موقع معين.
إن النجاح مرهون بإرادة الإنسان وقدرته على مواجهة الحياة، وأخذ الدروس مما تعرض ويتعرض له في تجارب فاشلة، وألاّ ينظر إلى الخلف أبداً إلا لأخذ العبر من تجارب الماضي.
ويضيف في فصل ثان مثالاً آخر عن الأطفال، ويقول إن الطفل تبدأ تجاربه عندما يحاول أن يقوم بأول حركة ليتعلم كيف يجلس أو يقف على رجليه، فخلال هذه المحاولات كم مرة يقع، وكم مرة يرتمي على الأرض، وكم مرة يصاب بأذى ويتألم ويبكي، لكنه لا ييأس ويقوم بعد دقائق ليعيد نفس الحركة إلى أن يتحقق له ما يريد تدريجياً بالجلوس أو الوقوف، ثم يبدأ بمحاولات لاكتشاف وتعلم أشياء أخرى كالمشي والركض، ويتحمل من أجل ذلك متاعب كثيرة، وكلما وقع وأصيب، كلما أصرّ على الاستمرار فيما يريد تحقيقه.
ويعيش على هذه الحال فترات طويلة من طفولته، لذلك على الإنسان ألاّ يتوقف طموحه عند حد أو عمر معين، وعليه أن يواجه الحياة بكل جرأة، وألاّ يستسلم عند أول فشل، ويمارس كل الطرق المشروعة للوصول إلى أهدافه وتحقيق طموحاته، لأن الجهد والعطاء والتفكير والابتكار والمحاولة تلو المحاولة هي التي تفتح الطريق إلى النجاح.
فوراء كل نجاح فشل متكرر، ولا يأس مع الحياة، ولا حياة دون أمل وتجارب، ولا تجارب دون نتائج وتكرار المحاولة هو بداية النجاح.
ويضرب مثلاً آخر بعلماء ومكتشفين ومخترعين، أناروا طريق البشرية بأبحاثهم واكتشافاتهم، يقول عن أديسون عندما قام بعدة محاولات لاختراع المصباح الكهربائي ولم تنجح، قال له أحد أصدقائه إنه فشل فلماذا لا يترك محاولاته لعمل آخر؟ فرد عليه: إنني لم أفشل بل نجحت لأنني اكتشفت وعرفت بأن جميع تجاربي لم تكن صحيحة، وعليّ أن أجرب طريقة وأسلوبا آخر، وهذا ما قام به وبعد محاولات عديدة تحقق له النجاح.
وفي جزء آخر يقول الكاتب إن الخوف يشعر به معظمنا عند التفكير في المستقبل، وهناك من يتخوف من الغد والمستقبل دون أن يراه ولا يدري كيف سيكون، وغالباً ما يرتبط هذا الشعور بالواقع الذي يعيشه ويتوقع أن يكون المستقبل مخيفاً، ويقول الكاتب إن هذا الأمر غير صحيح لأن لا شيء ثابت في الحياة، والشيء الوحيد الذي نستطيع أن نتحكم فيه هو اللحظة التي نعيشها، ولن نستطيع أن نتحكم في المستقبل من خلال قلقنا عليه.
والخلاصة هي أن شعورنا بالخوف ما هو إلا محاولة لوقاية أنفسنا من المجهول، وغالباً ما نخاف من عقبات ومشاكل لا وجود لها أو لم ولن تحدث، بل نتخيلها، ونستنفد طاقتنا في التفكير والخوف من حدوثها، ولا ندرك أن الخوف يحد من إمكانياتنا وبالتالي من عطائنا وفرص نجاحنا.
فلنتحرر من الخوف، علينا أن نواجه التحديات، ونعمل على تغيير سلبياتنا وإحداث تغيير ايجابي من حولنا وعدم الوقوف عند الفشل، وهذه هي بداية النجاح. فبكل تأكيد العيش مع هذا الشعور مرهق ذهنيا وبدنيا.
وإذا كان الإنسان لا يفعل شيئاً للتغيير، فسيظل أسير خوفه مدى الحياة، لأنه يركز على المشاكل التي تأخذ حيزاً كبيراً من وقته وطاقته، بدل أن يركز على الحلول، لذلك يكون التخلص من الخوف أو القلق صعباً للغاية لكن عليه على الأقل محاولة تغيير أسلوب تفكيره للتعامل مع مخاوف غالباً ما تكون متخيلة لا وجود لها إلا في خياله، وبإمكان أي شخص تحويل شعوره بالخوف إلى شيء إيجابي والاستفادة منه لو أنه تحكم فيه ولم يتركه يتحكم فيه.
كما يقدم الكاتب نصائح وتمارين تحفز على التغيير للتخلص من الخوف، حتى لو أن الأشياء التي تحدث لك في حياتك لن تتوقف بمجرد تخلصك منه كما يقول، لكنك سوف تصبح أكثر مهارة في التعامل معها لأن هدفك عندها هو أن تستفيد من الحياة، لا أن تخاف منها.
وأخيراً يقال: لا يوجد إنسان ضعيف لكن يوجد إنسان يجهل موطن القوة في نفسه، ويقال الفاشلون قسمان، قسم فكر ولم يفعل، وقسم فعل ولم يفكر.
وأنا أقول: علينا أن لا نخاف من غدٍ لا نعرفه، بل أن نعمل ونبني لغد نأمل معرفته.