ما هي العلمانية؟
في العالم العربي والإسلامي لا يوجد تعريف علمي محدد وكامل لهذا الاصطلاح. وفي هذا تستوي العلمانية مع اصطلاح «الإرهاب»، فهو ليس بأقل غموضاً ولا يوجد له تعريف محدد، لكن هناك ما هو أغرب وأعجب، فالعلمانية ومشتقاتها لدينا تنطوي على خطأ تركيبي لفظي.
ولنرجع إلى الأصل اللفظي في الغرب الذي استوردنا منه هذا المصطلح. افتح قاموس اكسفورد باللغة الإنجليزية على كلمة «Secular» التي نترجمها بالعربية إلى كلمة «علماني», وستكتشف على الفور أن هذه الكلمة الإنجليزية ليست اشتقاقاً من كلمة «العلم» (بكسر العين) وإنما من كلمة «العالم» (بفتح العين واللام) أي World. إذن فإن اللفظ الصحيح باللغة العربية هو «عالماني» نسبة إلى العالم..
وهو بالإنجليزية ـ يقول لك القاموس ـ Worldly أي «دنيوي» نسبة إلى «الدنيا». إذن فإن الشخص العالماني أو الدنيوي هو شخص تنحصر رؤيته في الدنيا فقط، باعتبار أنه لا يؤمن بأن هناك حياة أخرى.
ولإدراك مغزى هذا التعريف، علينا أن نعيد إلى الأذهان أن كلمة «دنيوي» ابتدعت في الغرب لتكون مضادة لكلمة «ديني» في سياق حملة الإصلاحيين الأوروبيين ضد الكنيسة.
ولكن بعد أن صارت «العالمانية» فلسفة للحكم في الغرب المسيحي، فإنه جرى لاحقاً إعادة تعريف العبارة بحيث إنها لم تعد تعني معاداة سلطة الدولة للدين وإنما فقط إبعاده عن جهاز الحكم، أي أن تكون السلطة محايدة حيال الدين أو الأديان في المجتمع. وبهذا المفهوم أصبحت «العالمانية» جزءاً لا يتجزأ من النظام الديمقراطي.
في العالم العربي والإسلامي اختلف الأمر. شكلياً صارت العالمانية علمانية بما يوحي خطأ أن الاشتقاق هو من كلمة «العلم»، وفي غياب تعريف محدد صار متاحاً لبعض النخب تبني هذه العبارة من أجل اتخاذ موقف عدائي تجاه الدين الإسلامي ومبادئه وقيمه.
أما مصطلح «الإرهاب» فإنه في غياب التعريف الموضوعي العلمي أصبح يعني أي شيء وكل شيء في الغرب والشرق على حد سواء. فالمقاومة الشرعية المسلحة ضد احتلال أجنبي تُعتبر ضرباً من الإرهاب.
ويعتبر «إرهاباً» كل ما يمكن أن يضيف بأنه يحمل أفكاراً وتوجهات سياسية ضد سياسات وممارسات الولايات المتحدة.. وسياسات وممارسات الأنظمة الحاكمة الموالية لها. بل وكل من يعادي إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية.
وهنا نقطة التقاء بين نخب العلمانيين والقوى التي تتبنى «الحرب على الإرهاب». كلاهما يكرهان الديمقراطية الليبرالية، ويراهنان على الأنظمة الاستبدادية لتمارس نيابة عنهما القهر ضد كل من يدعو إلى نظام حكم إسلامي أو حتى نظام ديمقراطي يكفل الحرية وسيادة القانون.