«العشوائيات» مصطلح يطلق على التجمعات البشرية التي تتكون على أطراف المدن الكبرى، نتيجة عوامل عديدة؛ أهمها الطرد من الريف إلى المدن كما هو الحال في بعض الدول العربية ذات الكثافة السكانية العالية والدخول المنخفضة التي أدت إلى نشوء أزمة إسكان اضطرت الكثير من السكان إلى تشييد بيوت من الصفيح والخشب والكرتون، وهي مساكن غير مطابقة للمواصفات الهندسية تم إنشاؤها دون تراخيص من الجهات المختصة.

وقد أثبتت الدراسات أن المناطق العشوائية لها دور كبير في تفريخ المجرمين، حيث تزداد معدلات الجريمة في تلك المناطق نتيجة انخفاض الدخل، ونقص الخدمات الصحية والتعليمية، وتكدس الأفراد من الجنسين في مساحات ضيقة، مما يلغي الحواجز بينهم ويؤدي إلى ممارسات لا أخلاقية تحدث عادة نتيجة لهذه الظروف المعيشية.

بدأ ظهور العشوائيات في الدول العربية على أطراف المدن ذات الكثافة السكانية العالية كالقاهرة ودمشق والدار البيضاء، لتمتد بعد ذلك إلى دول بترولية غنية مثل المملكة العربية السعودية التي تنبهت لهذا الأمر وفق ما جاء على لسان نائب وزير الشؤون البلدية والقروية بالمملكة خلال افتتاحه معرض الرياض الحادي عشر للعقارات والتطوير العمراني الشهر الماضي.

حيث بيّن أن اهتمام الوزارة ينصب على تطوير العشوائيات، لافتا إلى أن الوزارة تعمل بالتعاون مع الوزارات الحكومية الأخرى المعنية بالموضوع وإمارات المناطق لعمل الإجراءات والأعمال المتعلقة بالعشوائيات (الشرق الأوسط 6 مايو 2008).

وفي قطر نشرت جريدة «الراية» بتاريخ 7 مايو 2008 تحقيقا عن أزمة السكن، أظهر أن مشكلة العشوائيات قد تفاقمت في السنوات الماضية حتى أصبحت تشكل ظاهرة مقلقة بعد أن تزايد عدد الأكشاك على حواف مدينة «الدوحة» العاصمة، وزحف المد العشوائي ليصل إلى وسطها حيث ظهرت الملاحق الهشة التي يتم بناؤها من الخشب والصفيح، وملأت الأكشاك أسطح العقارات والبنايات مشوهة منظر المدينة، ومخلفة وراءها العديد من الأمراض الاجتماعية.

تُرى هل وصلت هذه الظاهرة إلى دولة الإمارات ذات الاقتصاد القوي والكثافة السكانية المنخفضة مقارنة بتلك الدول التي بدأت منها، وكيف يمكن لنا أن نلمسها في ظل الازدهار العمراني الذي تشهده الدولة، وفي ظل النمو المتزايد في حركة البناء التي لم نعد قادرين على متابعة أخبارها لكثرة المشاريع العقارية التي يعلن عنها كل يوم؟

ربما كان من الصعب تصور هذا، لكن الواقع يقول إن هذه العشوائيات قد أخذت تتكون داخل مدننا وتمتد إلى الأطراف على عكس ما يحدث في الدول الأخرى، كما أن المناطق الصناعية - حيث تتكدس ورش إصلاح السيارات ومحلات بيع قطع الغيار وغيرها - تمثل عشوائيات مكتملة المواصفات وتشكل «كانتونات» من الصعب اختراقها.

وتأخذ هذه العشوائيات بُعداً أمنيا وأخلاقيا خطيرا ستكون له آثار مدمرة على مجتمعنا ما لم نتدارك الأمر قبل فوات الأوان، وقبل أن تصبح هذه العشوائيات واقعا لا نستطيع تغييره أو الحد من مخاطره التي تبدو ملامحها واضحة للعيان من خلال عدد ونوعية الجرائم التي تطالعنا كل يوم على صفحات الجرائد، راسمة مستقبلا لا يبشر بخير إذا استمرت بلادنا مفتوحة لكل هذه الأفواج التي تتوافد عليها من كل حدب وصوب، حاملة إلينا كل عقد وأمراض مجتمعاتها، ومشاكلها وفنون إجرامها.

نُشِر في صفحة الحوادث يوم الخميس الماضي خبر عن قيام أحد الوافدين الآسيويين في إمارة الشارقة باستئجار قاتل محترف من إحدى الدول الآسيوية وإحضاره بتأشيرة زيارة لتنفيذ جريمة قتل شخص اتهمه بالتحرش بزوجته.

وقد تم التخطيط للجريمة وتنفيذها بشكل احترافي عالي الدقة، وكان يمكن للقاتل أن يغادر الدولة بعد أن قام بتنفيذ جريمته لولا يقظة رجال شرطة الشارقة الذين استطاعوا الكشف عن ملابسات الجريمة والوصول إلى مدبريها ومرتكبيها البالغ عددهم ستة أشخاص كلهم من الجنسية نفسها.

وفي عدد يوم الجمعة الماضي من جريدة «البيان» وردت في صفحة الحوادث والقضايا تشكيلة من الأخبار، تضمنت إلقاء القبض على تاجري مخدرات افريقيين بتهمة حيازة مواد مخدرة بقصد المتاجرة بها، ومحاكمة افريقيين آخرين بتهمة حيازة 411 كبسولة هيروين بقصد الاتجار أيضا، وإلقاء القبض على عصابة من الجنسية الآسيوية متخصصة في سرقة المحال التجارية في المناطق الصناعية بالشارقة.

وإحباط محاولة لسرقة مركز الإمارات للعطلات الواقع في شارع الشيخ زايد بدبي، ومحاكمة آسيوي في قضية شروع في القتل بمحكمة جنايات دبي، وتأييد محكمة استئناف دبي لحكم قضائي بمعاقبة مدير حسابات في أحد البنوك بالسجن سبع سنوات وتغريمه مبلغ 10 ملايين درهم عن تهمة سرقة عملاء البنك الذي عمل به لمدة 14 عاما.

والحكم على متهم خليجي بالسجن 10 سنوات وإبعاده عن الدولة عن تهمة الشروع في هتك عرض حدث عمره 14 عاما في وضح النهار داخل مركز تجاري كبير بدبي يتردد عليه آلاف الزوار والمتسوقين كل يوم، والنظر في قضية رشوة واحتيال، المتهم فيها آسيوي وأوروبية استوليا بطريقة احتيالية على مبلغ مليون و561 ألفا و462 درهما مملوكة لإحدى شركات التطوير العقاري التي كانا يعملان بها.

هذه حصيلة بحث «عشوائي» في أخبار جرائم «غير عشوائية» منشورة في صحيفة محلية وليست إشاعات يرددها الناس أو يروجها الغير، الأمر الذي يعني أن هناك جرائم وقضايا ترى الجهات المختصة عدم نشرها لأسباب تراها وجيهة، فماذا لو تم نشر أخبار كل الجرائم التي تحدث كل يوم وأحكام كل القضايا التي تنظرها المحاكم بمختلف درجاتها؟

لا شك أننا سنجد أنفسنا أمام أرقام عجيبة وجرائم غريبة لم يعرفها مجتمعنا قبل هذه الطفرة، المتسبب فيها هي هذه الوجوه الغريبة التي غدونا نشاهد أصحابها يتجولون وسط مدننا وداخل أحيائنا، يسكنون البيوت التي هجرناها إلى الأطراف، ويحولونها إلى «عشوائيات» نخشى أن تصبح غداً أوكاراً لكل أنواع الجرائم التي نظنها غريبة اليوم، فهل نحن مختلفون حتى في عشوائياتنا؟!

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com