تتراصف الأسئلة العاجلة على أجندة التهدئة الأخيرة ما بين الحكومة الفلسطينية في غزة ودولة الاحتلال، فهل هناك يا ترى أجندة خفية ونوايا إسرائيلية شريرة وراء التهدئة، وهل هذه التهدئة أمنية فقط لن تتمخض عن تداعيات سياسية تتعلق بالسيادة الفلسطينية.
وهل يمكن أن تشكل هذه التهدئة بداية لتسوية سياسية تؤدي إلى رحيل الاحتلال، أم أنها عبارة عن خدعة ومسرحية مؤقتة وموقوتة ومحطة انتقالية استعدادية لجولة حربية جديدة لاحقة من المواجهات، ثم أي تهدئة هذه المعروضة وما هي مضامينها وأهدافها الحقيقية، وهل هي انتصار لحماس وهزيمة لإسرائيل أم ماذا، وما هي احتمالات وفرص نجاحها واستمرارها حقاً طالما أنها لا تمتد إلى الضفة الغربية...؟!
ردود الفعل الإسرائيلية الفورية وتلك التصريحات الإسرائيلية التي سبقت التهدئة لا تبشر بخير، فهاهو رئيس وزراء الاحتلال المأزوم أولمرت يعتبر التهدئة هشة ومن الممكن أن تكون لفترة قصيرة جدا، بل انه حمل حركة حماس المسؤولية عن أية خرق يتم للتهدئة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المجلس الوزاري طلب من الجيش الاستعداد لأية عملية عسكرية ممكنة، وها هو وزير حربه باراك يؤكد تاريخيا نحن على سكة الصدام مع حماس، ولا أعرف كم سيستمر وقف إطلاق النار، يومين أو شهرين.
وها هو المتشدد ليبرمان يؤكد أيضا مفاوضات مع حماس تشبه البالون الذي سينفجر عما قريب، مبيناً في تصريحٍ إذاعي أن التهدئة الحالية ستنتهي، وبينما يرى وزير البنية التحتية الإسرائيلية بنيامين بن اليعازر»أنه يجب إعطاء فرصة للتسوية مع »حماس« التي تسيطر على غزة« ولكن لماذا...؟، يوضح بن اليعازر: »من أجل إقناع من ينبغي إقناعه بأن إسرائيل بذلت كل ما هو ممكن قبل أن تخرج إلى حملة عسكرية، مضيفا في مقابلة مع صوت الجيش الإسرائيلي »أن الحملة العسكرية هي مجرد مسألة وقت.
ولكن مع ذلك يجب الحديث قبل الخروج في حملة عسكرية«، يعززه الباحث الامني المعروف يهودا بن مئير قائلا: »إن كل اتفاق حول وقف إطلاق النار هو انتصار إسرائيلي لكي تستطيع استغلال الوقت المتاح خلاله لصالحها«، مضيفا: »أنه ومن المحتمل ألا يكون هناك مفر في آخر المطاف من القيام بعملية عسكرية كبيرة، قائلاً : »القدماء كانوا قد قالوا إنه لا يتوجب علينا أن نستبق الشر قبل حين، فإسرائيل لم تخسر أبداً من فترات الهدوء حتى وإن كانت قصيرة وعرفت كيف تستغلها لصالحها«.
ناهيك عن الجدل الحربي الذي تسيد المشهد الإسرائيلي في الآونة الاخيرة، والذي اظهر شبه إجماع حكومي وحزبي إسرائيلي على العملية العسكرية الواسعة ضد غزة، فقد اعترف أولمرت في هذا الصدد بأن الشخص الوحيد الذي عارض القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة ما هو إلا وزير الحرب أيهود باراك.
فطالما أن حقيقة الأمر كذلك، وطالما أن »أولمرت ابلغ رايس في لقائها الأخير أن البناء في القدس سيتواصل ، وطالما أنهم في إسرائيل يعلنون عن المصادقة على مخططات للبناء الاستيطاني الواسع في القدس بما في ذلك مصادقة رئيس بلدية القدس لوبلينسكي على خطة لبناء 40 ألف وحدة سكنية.
فأي حديث عن التهدئة يغدو عقيما وذرا للرماد في العيون، ولذلك نقول إن كل قصة التهدئة اذن تغدو وهمية أو أن وراءها حسابات أخرى مبيتة، فأي تهدئة هذه التي تأتي في ظل مثل هذه التصريحات والإجراءات والاعتداءات التي لن تتوقف وفقا لاعترافاتهم وخططهم؟.
فالحقيقة الكبيرة بالنسبة لهم إضافة إلى اكتساح الاستيطان للقدس والأراضي المحتلة »أن شعب إسرائيل في حالة حرب-كما وثق عمير ربابورت في معاريف«، و»أن إسرائيل هي التي تعرقل جهود التهدئة، وتسمح لنفسها بالعمل بالضفة وتشترط وقف الصواريخ والإفراج عن شاليط- كما أكد رئيس الهيئة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية عاموس غلعاد في حديث للإذاعة الإسرائيلية«.
و»أن الحكومة الإسرائيلية هي التي منعت التوصل إلى تهدئة مع حركة حماس في قطاع غزة، وذلك بسبب عجزها عن اتخاذ القرارات »كما المح الجنرال باراك«، و»أنه يتوجب على إسرائيل الاستمرار في ضرب حماس ومهاجمتها حتى تستعطفنا بقبول التهدئة كما اعلن الجنرال شاؤول موفاز«، واستنادا إلى متان فيلنائي، فإن الأمور مع حماس ستنتهي على ما يبدو بـضربة عسكرية.
لذلك نقول في الحصيلة أنه طالما أن التهدئة-من وجهة نظرهم- سترسخ عهداً جديداً بغزة وستقود إلى الحاق الضفة بإسرائيل، فأي تهدئة هذه في ظل مثل هذا العهد..؟
الكاتب الإسرائيلي المعروف »عوزي بنزمان« كان قد كتب »أن مصير اتفاق التهدئة الفلسطينية - الإسرائيلية رهن بالنوايا، ونقول إن النوايا والخطط والخرائط الحربية والاستيطانية الإسرائيلية الماثلة والمبيتة تغتال التهدئة مسبقاً فإسرائيل تؤكد على مواصلة الاستيطان في الضفة وان القدس عاصمة إسرائيل.
- وعلى »ان المستعمرات والطرق والخرائط الاستيطانية تحاصر القدس وتخنقها وتغير معالمها«، فطالما أن كل هذه المعطيات وغيرها الكثير هي الملموسة عمليا على أرض الضفة الغربية: فكيف يمكن اذن الحديث عن تهدئة حقيقية طويلة...؟، وكيف يمكن الحديث عن تهدئة تنسفها دولة الاحتلال عمليا في كل ساعة وكل لحظة على الأرض...؟!.
ولذلك فإن الخلاصة المفيدة أن دولة الاحتلال إنما تقوم عمليا ومسبقا باغتيال ليس التهدئة فقط، وإنما كل احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية تتوج بدولة فلسطينية..!
ولذلك نقول دائما أيضا إننا بحاجة ملحة وعاجلة أولاً، إلى خيارات فلسطينية وعربية أخرى مختلفة..!