موضوع النفط صار الهاجس العالمي الأكبر، إذ أثبت أن السلع الصناعية والزراعية ودورة الاقتصاد الكلية مرتبطة بهذا المنتج، وباعتبار المملكة الأكبر في منظومة الدول في احتياطيات وإنتاج النفط، وحتى تحسم موضوع الجدل الذي تحول إلى اتهامات متبادلة بين المنتجين والمستهلكين، دعت إلى مؤتمر جدة لحوار بناء لا تدخل فيه عوامل سياسية، أو فرضيات ليس لها علاقة في هذه الأوضاع وما تلاها من أزمات متلاحقة..

هناك أشياء واضحة، وأصبحت متداولة عند جميع الاقتصاديين أن ارتفاع الأسعار جاءت من تدني الدولار، والرهن العقاري الأميركي، والمضاربون الدوليون، ثم ارتفاع الطلب على هذه السلعة، سواء من الدول الآسيوية كالهند والصين، أو غيرهما، لكن ما هو مصيري يجب أن تلتقي عليه الآراء وتخرج بحل موضوعي بعيداً عن تحميل طرف ضد آخر المشكلة كلها، وبأن يخرج المجتمعون بحل منطقي على اعتبار أن القضية قائمة، وأمام موقف له ظروفه وأسبابه الموضوعية، وبالتالي إذا ما تمت المكاشفة بصورتها الواضحة، فإن العودة إلى الشكوك والاتهامات والمطالب التعجيزية لن تفك الأزمة، أو تنهيها..

نأتي إلى مسألة زيادة الإنتاج والتي تعهدت المملكة أن تكون في مقدمة الدول، وحتى هذا الحل سيكون مؤقتاً لأن الزيادة بالطلب ستستمر، ومع أن هناك حالة تغافل عن المعروض بالسوق العالمي، والذي لا يحتاج إلى زيادات كبيرة، فالموقف أصبح لا يقبل الصراع على جبهتين كل لديه مبرراته ومنطقه، لكن أن تتوافر منطقية الحوار على حالة قائمة تضرر منها المنتجون والمستهلكون معاً.

وقد جرب كيسنجر أثناء طفرة أسعار النفط الأولى في السبعينات أن يحشد المستهلكون في وجه المنتجين في جبهة واحدة، ومع ذلك فشلت تلك المساعي، لأن أعضاء أوبك كتكتل مقابل يشبه أي منظومة اقتصادية متجانسة الإنتاج ولا ندري لماذا دائماً توضع هذه المنظمة قيد الاتهام مع أنها أكبر المتضررين في سنواتها السابقة عندما كان من يتحكم بالأسعار هبوطها وارتفاعها "الكارتل" الأوروبي - الأميركي، لكن بوجود مزاحمين جدد من جوعى النفط صارت الأحكام تفرضها قضية العرض والطلب..

مؤتمر جدة يحضره الخصوم جميعاً وليس هناك أبواب مغلقة، أو فرص ضائعة إذا كان الكل في مؤتمر مفتوح، ويبقى موضوع النفط حالة كونية يدرك المجتمعون أن الترف القديم لن يعود أمام شح عالمي، وتناقص في الاحتياجات، وحتى الاستثمارات في هذه الطاقة.

ويظل العامل الوحيد والمنقذ الاعتراف بالواقع والتكيف معه بأسلوب عدم الاضرار بأي طرف، والمملكة حين تدعو لهذا التجمع الكبير تريد أن يكون الجميع يتقاسمون المسئولية، وعلى مبدأ التكافؤ وليس التقاتل، ثم إن الأزمات السياسية التي نشأت في العراق وإيران وفنزويلا ونيجيريا، وهدوءها، أو انفجارها، يأتي من خلال دول مستهلكة رئيسية، ولذلك اقترنت الأسباب بالمسببات حين تحول الصراع السياسي إلى عامل ضغط على اقتصاديات النفط..

عموماً الاجتماع هام ودوره ضروري بأن يخرج بنتائج، وليس بتوصيات وأن يعتمد أن الطاقة الراهنة تحولت إلى قضية تحتاج إلى شجاعة المواقف، قبل الندب على السعر الرخيص للنفط ومشتقاته..