قام رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل بزيارة إلى دولة الإمارات الأسبوع الماضي بدعوة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

حيث اجتمع رئيس الدولة مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. هذا اللقاء الذي يعتبر الأول من نوعه بين المسؤولين ركز على موضوع الوحدة الوطنية الفلسطينية، حيث أكد صاحب السمو رئيس الدولة على أهمية تحقيق الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين من أجل دفع المسألة الفلسطينية إلى الأمام.

قراءتنا السياسية لهذه الزيارة تأخذنا كمحللين سياسيين إلى اعتبار أن المعطيات تشير إلى أنه ربما تكون هناك رغبة إماراتية للعب دور فاعل في تحقيق تلك الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين لاسيما بين حركتي فتح وحماس اللتين تعيشان منذ عام حالة من التوتر والقطيعة شبه الكاملة بينهما نتيجة فرض حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة وعزل القطاع عن الضفة الغربية وإبعاده عن سيطرة السلطة الفلسطينية؛

عام كامل من القطيعة التي أدت إلى دخول البلاد في فترة مشاحنات وتوتر لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقة القائمة بين الحركتين؛ مثل هذا الوضع كان له الأثر الكبير في تزايد معاناة الشعب الفلسطيني وتراجع المسألة الفلسطينية على مختلف المستويات.

لذلك فإن الاستقبال الإماراتي للمسؤول الحمساوي الأول لا يمكن اعتباره إلا محاولة إماراتية للدخول على الخط من أجل تحقيق هدف الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين.

لقد حاولت أطراف عربية وإسلامية العمل على مساعدة الحركتين من أجل تصفية الأجواء فيما بينهما واستعادة الوفاق الفلسطيني في سبيل رفع معاناة الشعب الفلسطيني المتضرر من الحصار الذي فرض عليه نتيجة سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.

فكانت هناك تحركات فعلية من دول كاليمن والسنغال التي عملت على تهيئة الظروف من أجل التوسط في حل الخلافات القائمة بين الطرفين، وكانت هناك أيضاً دعوة من الجامعة العربية للحوار الوطني بين الفلسطينيين في إطار قرار مجلس الجامعة الصادر عن دورته الوزارية المنعقدة في يناير من هذا العام والذي كلف الأمانة العامة للجامعة بالعمل للمساعدة على تهيئة الظروف من أجل تحقيق هذا الحوار.

لكن ورغم جدية كل تلك المحاولات إلا أنها لم تستطع كسر الحاجز الجليدي القائم بين الطرفين حيث ظل الخلاف يترنح في محله من دون أن يتحقق شيء يذكر.

الجامعة العربية ورغم وجود قرار عربي يدعوها إلى التدخل إلا أنها لم تكن متحمسة للتدخل نظراً لعدم تحمس بعض الدول العربية الرئيسية في الجامعة لدفع ذلك القرار إلى الأمام إدراكاً منها بأن ما قامت به حماس من انقلاب على السلطة الفلسطينية وفرض سيطرتها على القطاع هو أمر لا يمكن أن يغتفر إلا بعودة الأمور إلى نصابها كما كانت قبل الانقلاب.

لذلك انشغلت مثل هذه الدول العربية الرئيسية بالوضع اللبناني وسخرت جل إمكانيات الجامعة العربية في سبيل إيجاد حل لحالة الاحتقان السياسي والطائفي الذي كان يعيشه لبنان.

لكن وبعد نجاح الجامعة العربية في لم شمل الفرقاء اللبنانيين ونزع فتيل الفتنة الطائفية والأهلية في ذلك البلد بدأت الأنظار تميل نحو حاجة الجامعة العربية إلى الالتفاف حول القضية الفلسطينية ولاسيما حول موضوع الخلاف الدائر بين حركتي فتح وحماس وضرورة تكاتف الجهود العربية في سبيل لملمة الجرح الفلسطيني الناتج عن استمرار الخلاف الدائر بين الحركتين؛ لم تكن الجامعة بالطبع بحاجة إلى قرار عربي جديد لأن القرار الوزاري العربي الصادر في يناير يعتبر كافياً من أجل أن تلعب الجامعة دوراً في هذا المجال.

لكن المشكلة تمثلت في أمرين: الأول رفض الأطراف الفلسطينية التحاور إلا وفقاً لشروط مسبقة، وثانياً غياب الراعي العربي الذي يمكن أن يكون محل ثقة الطرفين.

بالنسبة للأمر الأول فقد شكل مشكلة عويصة للتحاور إلا أن هذه المشكلة تم تجاوزها من خلال القبول بالمبادرة اليمنية التي انطلقت في مارس الماضي ومن ثم دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للحوار الوطني الشامل لتنفيذ المبادرة اليمنية .

وهو ما جاء من خلال مبادرته التي أعلن عنها في الرابع من هذا الشهر؛ هذه المبادرة لاقت قبولاً من قبل حماس لكن تفعيلها أصبح بحاجة إلى راعي عربي يعتمد عليه الطرفين تماماً كما كانت قطر راعياً عربياً ناجحاً بين الفرقاء اللبنانيين.

والذي أدى إلى التوصل إلى اتفاق الدوحة؛ الحديث بالطبع يدور حول أن تلعب مصر مثل هذا الدور لكن يبدو أن مصر غير متحمسة كثيراً للعب هذا الدور رغم نجاحها في التوسط من أجل التوصل إلى صيغة الهدنة الحالية بين حماس وإسرائيل.

لذلك فإن قراءتنا السياسية لزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إلى الإمارات الأسبوع الماضي ومقابلته للرئيس الإماراتي إنما تأتي في سياق عمل الدبلوماسية الإماراتية من أجل دفع مساعي المصالحة الوطنية بين فتح وحماس إلى الأمام من خلال الحوار الذي سترعاه الجامعة العربية .

والذي ربما تقف الإمارات خلفه بشكل كبير - كما وقفت قطر في المسألة اللبنانية - إذا ما تيقنت الإمارات أن هناك رغبة فلسطينية جادة لوضع حد لحالة الخلاف الدائر في فلسطين.

ولعل من الأمور التي تعزز الموقف الإماراتي في مجال المصالحة والوحدة الوطنية بين الفلسطينيين هو أن دولة الإمارات تتمتع بعلاقات طيبة بين الطرفين الفلسطينيين ونجحت دبلوماسيتها في كسب ود جميع الأطراف وابتعدت عن الوقوف مع طرف ضد الطرف الآخر، مما يعني بأن الإمارات ستكون من أفضل الخيارات المطروحة لاستضافة حوار فلسطيني- فلسطيني تحت مظلة الجامعة العربية.

وهنا لا نستطيع أن نتجاهل الدور الذي لعبته الدبلوماسية الإماراتية من خلال عضويتها في اللجنة الوزارية العربية المنبثقة عن الجامعة العربية التي أنيط بها مهمة المصالحة بين الفرقاء اللبنانيين؛ فالدبلوماسية الإماراتية كانت حاضرة ونشطة في المسألة اللبنانية ونجاحها هناك يعتبر مؤشراً إيجابياً نحو استمرار الإمارات للعب ذات الدور مع الفرقاء الفلسطينيين.

لذلك فإنه يمكن النظر إلى زيارة مشعل إلى الإمارات بأنها تأتي ربما في سياق محاولة الدبلوماسية الإماراتية جس النبض الفلسطيني ومعرفة مدى جدية الأطراف الفلسطينية في الرغبة في إيجاد حل لحالة الخلاف الدائر في فلسطين قبل أن تعلن الإمارات عن رغبتها في لعب دور نشط من أجل تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية. فكل التوفيق للدبلوماسية الإماراتية، وكل دبلوماسية نشطة تسعى لتحقيق الخير لفلسطين.

binhuwaidin@hotmail.com

جامعة الإمارات