في الطائرة جلس بجانبي طفل أميركي ووالده، نظر الطفل للكتاب الذي بيدي فوجد أن حروفه غريبة عليه، وطريقة فتحه من اليمين لليسار أيضا ليس كما يعهده في الكتاب الانجليزي فسأل والده: ما يكون هذا الذي في يدي؟

فطلب منه والده أن يسألني أنا، التفت إليه وقلت له: أن هذا هو الخط العربي، وأن الكتاب العربي أيضا على خلاف الكتاب الانجليزي تبدأ قراءته من اليمين إلى اليسار، بعد أن انتهى الطفل من سماع التوضيح قال بطريقة تلقائية تتناسب مع عمره: شيء غريب!.

لكن والده لم يتركه لتلقائيته، فرد عليه:

- ولماذا لا تكون أنت الغريب!

كانت هذه الإشارة التربوية البسيطة هي توجيه عقلي لفتح الباب أمام عقل هذا الصغير، أن لا يسارع على الحكم بأن الآخرين هم المختلفون بحيث يظن أنه هو المركز و ما عداه هو الهامش كما تفعل معظم الثقافات الإنسانية.

هذا المجتمع الأميركي اليوم الذي كان يضع حتى وقت قريب لوحات سافرة ومشينة كتب عليها «ممنوع دخول الكلاب والسود»، هو اليوم الذي يحظى فيه رجل اسود بالفوز كمرشح عن الحزب الديمقراطي متباريا مع امرأة، لها جملة شهيرة في حملتها الانتخابية تقول بأن والدتها لم تكن تمتلك هذا الحق السياسي وهاهي اليوم تعيشه طبقا لملامح الحلم الأميركي.

هذه الصورة الفريدة تغير اليوم من صورة أميركا أمام العالم، لأن هناك أقليات وطبقات تتقدم نحو ممارسة حقوقها كاملة وفي أعلى السلم هناك الحق السياسي .

في فرنسا تعرض ساركوزي الرئيس الحالي لانتقادات مشددة عندما وصف المحتجين من الجاليات المهاجرة ـ عندما كان وزيرا للداخلية ـ بأنهم «حثالة»، وهاهو واليوم يعين ثلاث نساء من أصول مهاجرة في حكومته أبرزهم الوزيرة «فضيلة عمارة» سكرتيرة الدولة لشؤون المدينة بفرنسا.

ليس هناك مجتمعا ولا ثقافة بريئة من العيوب العنصرية، وكلما اشتعلت عنصرية طائفية في الجنوب ردت عليها عنصرية في الشمال تحت رعاية عيوب ثقافية ظلت في زمن السلم مزايا، ومفاخر، فضاقت الأرض بالناس وتقسمت الجغرافيا لجزر صغيرة صعب التعايش بينهم وأصبح المجتمع والدولة والوطن انتماءات شكلية تتكسر عند أول تجربة عملية .

ما يغيب اليوم مثلا عن الثقافة الإسلامية أن جار الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يهوديا وقد مات (صلى الله عليه وسلم) وهو يأتمن اليهودي على درعه وبينه وبين اليهود والنصارى معاهدات وأحل له طعامهم وتزوج من نصرانية.

لكن الغلبة الأخلاقية اليوم للشعارات التي ترفع وتحض على قتل أو نبذ المختلفين عنا في الدين أو الطائفة أو العرق، في كل بلد عربي هناك مطب ثقافي يقوم إما على اللون أو الطبقية القبيلية أو المذهبية، أو الجنسية، هناك العربي والعجمي هناك السني والشيعي، هناك الحضري والبدوي.

وهذه العنصرية تبدو أكثر وضوحا كلما عاشت البلاد العربية تجربة انتخابية، أو تصويتا، حتى في برامج مثل ستار أكاديمي وشاعر المليون تتحيز الأصوات بناء على هذه المثالب العنصرية، فالكويتي يفوز لأنه ينافس سعوديا، والسعودي البدوي يفوز لأنه ينافس حضريا، وابن القبيلة الفلانية يفوز لأنه ينافس ابن القبيلة الأخرى وتصبح القبيلة في انتخابات الكويت كيانا مهما في المجتمع، وفي شاعر المليون مظهر اعتزاز وفخر.

وفي المذهب خيار تاريخي يصعب القفز عليه و هكذا يرتد المواطنون والمشاهدون إلى انتماءات ما قبل الدولة وما قبل الوطن وما قبل المجتمع في عصر الدولة والمجتمع والوطن، وأسوأ من ذلك أن هذه المثالب العنصرية تتحصن بمعاقل ما أنزل الله بها من سلطان، فنحن تعجبنا المساواة والمؤاخاة والديمقراطية في بلاد الغرب، لكن المساواة لا تصلح عندنا فنحن مجتمع مختلف.

والمؤاخاة ليست ممكنة وكأن ديننا لا علاقة له بهذه القيم، والديمقراطية لا تصلح للعرب، حتى في العنصرية ضد نسائنا لدينا عبارتنا الشهيرة «بأن الإسلام هو الدين الذي كرم المرأة» لكن تيارات الإسلام السياسي للأسف هم أول من يقفز إلى نهش حقوقهن، و أول من يقف أمام تكريمهن بالثقة والاحترام والمساواة، عدا حق مكوثها في البيت، ويريد من العالم أن يصدق أنه المتحدث باسم الإسلام وباسم كرامة المرأة .

في مناهجنا ليس لدينا مبادئ احترام حقوق الآخرين المتفقين معنا والمختلفين، بل على العكس أكثر ما يفّطن إليه الطالب العربي «بماذا هو مختلف» عن زميله ومواطنه والمقيم على أرضه، وأن كل ملمح لهذا الاختلاف حري بالشك والمساءلة: هل نسلم عليه، هل نعايده في أعياده، هل نأكل من طعامه؟.

في كندا قابلت من الجاليات الإسلامية من يحث أطفاله على عدم الأكل عند الجيران ولو كانوا عربا ومسلمين خوفا من أكل لحم الخنزير، لكنهم يحرضون بعضهم على سرق أموال الحكومة الكندية والتحايل عليها لنيل أكبر قدر من المعونات بغير وجه حق لأنها حكومة كافرة وفلوسها حل لهم، وسيدة عربية مسلمة في أميركا ترفض أن تلتزم بقوانين حماية البيئة ووضع الورق في النفايات المخصصة «للتدوير» لأنها تعيش في مجتمع كافر لا يستحق تعاونها، فصارت كمن يخرق سفينة تركب فيها لأنها تبغض أهلها متناسية أن مصيرهم واحد.

لهذا لا تسلم لمنطق يفسر الآخر بأنه غريب وقل لنفسك كما قال الوالد لابنه ولماذا لا تكون أنت الغريب؟

كاتبة سعودية

bdryah@gmail.com