يمكن القول الآن بعد نحو أربعين عاماً من توقيعها أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية فقدت فاعليتها، وأنها بحاجة لإعادة النظر والتعديل بما يتلاءم مع المتغيرات والظروف الحالية.
وهذا بالفعل ما تمت مناقشته في ندوة دولية نظمها قبل أيام في روما منتدى لكسمبورغ الدولي لدرء الكارثة النووية من أجل إعداد الاقتراحات لمؤتمر 2010 حول مراجعة كيفية تنفيذ معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
تطرق المشاركون في الندوة إلى شتى جوانب هذا الموضوع، ولكن أحدا منهم لم يطلب المحافظة على المعاهدة بشكلها الحالي. ذلك أن المعاهدة تعتبر، من جهة، واحدا من أكثر الصكوك الدولية احتراما والتزاما حيث تلعب دور الضمانة للأمن الجماعي العالمي ويشارك فيها عدد كبير من الدول.
ولكن المعاهدة عجزت، من جهة أخرى، عن منع دول كثيرة من السعي لامتلاك سلاح نووي. كما أنها لم تتمكن من وقف إسرائيل وباكستان والهند عن صنع السلاح النووي بدون الانضمام إلى المعاهدة.
الغريب أن المعاهدة تتضمن مواد تسمح للدول غير النووية الأعضاء فيها بتنفيذ برامجها النووية الشرعية عمليا، ومن ثم سحب عضويتها من المعاهدة بعد بلوغ المستوى المحدد من التطور النووي. وهكذا بالضبط ما عملته كوريا الشمالية التي أعلنت عام 2003 عن خروجها من المعاهدة..
وتلك المشكلة نفسها تواجه المجتمع الدولي اليوم بالنسبة لإيران. فثمة احتمال كبير جدا لتقليد إيران سلوك كوريا الشمالية. وليس من قبيل المصادفة أن المسألة النووية الإيرانية كانت بين المواضيع الأساسية المطروحة على طاولة البحث في ندوة روما.
وترتهن بالمسألة الإيرانية اليوم قضية نشر عناصر من المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا وتوسع الناتو باتجاه الشرق وفي الحساب النهائي، مصير معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بعينها. ويرى البعض أن الفشل في إقناع إيران بضرورة التخلي عن تكنولوجيات تخصيب اليورانيوم والتسليم بامتلاكها إياها سيضعنا في وجه إعلان مصر وتركيا عن تصميمهما على امتلاك تكنولوجيات تخصيب اليورانيوم.
الحوار مع طهران لا بد وأن يتغير بشكل ملموس وواقعي. وتعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورزمة مقترحات التعاون التي تقدمت بها طهران يدلان على استعداد ها للحوار الدبلوماسي وتسوية المشكلة.
وموضوع إقامة «منطقة خالية من تخصيب اليورانيوم» في الشرقين الأوسط والأدنى خطوة أساسية على طريق الحد من انتشار السلاح النووي فيهما.
لا شك في أن تجسيد فكرة إقامة المناطق المنزوعة السلاح النووي يشكل آلية فعالة لتعزيز نظام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية خاصة وأن إقامة مثل هذه المناطق يقترن بتقديم ضمانات أمنية من قبل الدول النووية إلى الدول التي لا تملك هذه الأسلحة.
ولكن هذا الطريق حافل هو أيضا بأحجار عثرة خفية. ويرى البعض أن فكرة إقامة المناطق الخالية من تكنولوجيات تخصيب اليورانيوم «لن تلقى تفهما» ولن تحظى بتأييد الدول العربية إذا ما استثنيت إسرائيل من هذه العملية.
وتطابقت مواقف المشاركين في الندوة إلى أقصى حد بصدد أداء الدول الكبرى لوظائفها ووفائها بالتزاماتها المنبثقة عن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ويتعين على روسيا والولايات المتحدة، في نظرهم، أن تمسكا زمام المبادرة في عملية نزع السلاح.
فكما نوه المتحدثون في المؤتمر الصحفي المشترك المنعقد في أعقاب الندوة لا تنوي فرنسا، مثلا، الشروع بأي مفاوضات حول تقليص قواتها النووية ما دامت هذه القوات تتخلف بدرجة لا تقاس عن الترسانات النووية الروسية والأميركية. وإيران تقول: كيف يمكن لومنا إذا فشلت حتى الدول النووية الكبرى في الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في المعاهدة؟
والمفارقة العجيبة المتعلقة بالمعاهدة هي أن ما من أحد يقول إن عهدها ولى. وما من أحد يطرح قضية صياغة وثيقة دولية ما أخرى تحظر انتشار الأسلحة النووية. ويجمع الكل على «قيمتها وأهميتها كأساس لنظام عدم انتشار السلاح النووي». وفي الوقت نفسه يلح الجميع على ضرورة تعديلها بشكل ما.