باستثناء القضية الفلسطينية واستبعاد التغيير في نهج الانحياز الأعمى الأميركي لإسرائيل على حساب الحقوق العربية، تتقدم المسألة العراقية كل القضايا العربية الأخرى وتبقى موضوعا للخلاف في قضايا السياسة الخارجية على أجندة المرشحين المتنافسين على الرئاسة الديمقراطي باراك أوباما والجمهوري جون ماكين .
وفيما يواصل غالبية الرأي العام الأميركي تعبيره عن رفضه بأكثر من وسيلة وفى أكثر من مناسبة لسياسة الرئيس بوش في التعامل مع المسألة العراقية ويعتبرها أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الحالية وأساءت كثيرا للمكانة الأميركية لدى الرأي العام العالمي.
وجلبت العداء والكراهية للولايات المتحدة لدى الشعوب العربية والإسلامية، وأثرت سلبا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الأميركي، وفيما كان أقوى تعبير شعبي أميركي عن الرفض لسياسة الإدارة الجمهورية هو ما جرى في الانتخابات التشريعية حين سحب غالبية الناخبين الأميركيين الثقة من الحزب الجمهوري ومكن الديمقراطيين من تحقيق الأغلبية البرلمانية في مجلسي النواب والشيوخ.
بعدما عبر منذ البداية عن رأيه الرافض لشن العدوان الانجلو أميركي لغزو العراق، فإن الاتجاه الغالب للناخبين الأميركيين في الانتخابات الرئاسية يتوقع أن يصوت لصالح المرشح الذي يتعهد بالانسحاب حيث يبدو للجميع أن غالبية الشعب الأميركي تطالب الآن بالانسحاب من العراق لإعادة أبنائه الجنود إلى ذويهم في أسرع وقت بعد سقوط آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المصابين والمعاقين جسديا ومئات الآلاف من المعاقين نفسيا وعقليا في الجيش الأميركي.
على هذه الخلفية تبدو فرص أوباما الذي تعهد بسحب القوات الأميركية من العراق في إطار حل سياسي، الذي يتقدم حتى الآن على منافسه الجمهوري بفارق ست نقاط، أكبر بكثير من فرص ماكين الذي يمثل الحزب الذي ورط أميركا في هذا المستنقع والذي ينتهج أسلوب الحل العسكري، و بدلا من أن يبشر الأميركيين بالانسحاب لوح بالبقاء الطويل في العراق ولو لمائة عام!
ومع هذا الخلاف، تبدو المسألة العراقية كمشكلة أميركية تبحث عن حل تفرض نفسها على كلا الحزبين وعلى كلا المرشحين بحثا عن أفضل الطرق لإخراج أميركا من ورطتها في المستنقع العراقي بأقل الخسائر البشرية والمادية والمعنوية، بينما يحفظ الصورة الأميركية بين الإقرار المهين بالفشل أو الاستمرار في تحمل الخسائر ومواصلة المكابرة، في ظل ميل واضح في الكونجرس وفى أوساط الإعلام والرأي العام الأميركي في الإصرار على التفاوض والانسحاب.
فيما يحاول بوش بمحاولة فرض الاتفاقية الأمنية على بغداد لإذعان الحكومة العراقية لتقنين البقاء الطويل بهدف قطع الطريق على مرشح الديمقراطيين في حالة هزيمة الجمهوريين في سحب القوات الأميركية من العراق .
فيما يبدو الخلاف كبيرا بين ماكين وأوباما.. فالأول جمهوري والجمهوريون محافظون عنصريون رأسماليون مهووسون بالثروة والقوة. والثاني ديمقراطي والديمقراطيون ليبراليون من جموع الأقليات والمضطهدين والمثقفين وعموم الطبقة الوسطى، و معنيون بالحريات وبالحقوق.
والأول عسكري عجوز تتملكه عقدة الهزيمة الأميركية في الحرب الفيتنامية حيث كان أسيرا لسنوات لدى قوات المقاومة الشيوعية، لذا يلوح بالقوة العسكرية، بينما الثاني أستاذ في القانون أكثر شبابا دون الخمسين بتأثيرات عرقية أفريقية، وثقافية آسيوية.
ويحمل اسما إسلاميا لوالده الكيني حسين أوباما، يبشر بالتغيير وبالحوار مع الأعداء وبالحلول السياسية للمشكلات الأميركية مع العالم سواء مع الأوروبيين أو مع العرب والمسلمين، وفى مواجهته صورة مشوهة لأميركا بوش يرجو تغييرها، ومثلين عاليين يستلهمهما هما جون كيندي وجيمي كارتر لصنع الصورة الأميركية الجديدة .