في مخاطبته لإسرائيل، التي يصلها اليوم في زيارة رسمية، بدا الرئيس الفرنسي وكأنه اختار مفرداته من القاموس الأميركي المعروف. احتضان مطلق لها، تقابله مناشدة خجولة لتقديم شيء من «مكارم أخلاقها»؛ تجاه الفلسطينيين.
ليس من باب مراعاة الحقوق الفلسطينية، حتى لا نقول إعادتها إلى أصحابها. عبارة «حقوق»، غير واردة في هذا السياق. ولكن من باب العطف، وخدمة للسلام المزعوم في المنطقة! إذا كان الرئيس ساركوزي أراد من استحضار هذه المعادلة المختلة، إعادة تأكيد وقوفه التام في خندق إسرائيل؛ فهذا شأنه.
وهو أمر معلوم بكل حال. أما إذا كان يريد من ذلك أن يبدو وسيطاً محايداً ليكون له دور في دفع عملية السلام إلى الأمام، عندئذ يكون كمن يحاول حجب الشمس بالغربال. عشية وصوله، أغدق الزائر الفرنسي، على تل أبيب؛ ما يغدقه نظيره الأميركي - وبالتحديد بوش - وأكثر. «إن فرنسا»، يقول، «ستبقى دوماً إلى جانب إسرائيل.
وأريد أن أقدم للشعب الإسرائيلي دعماً وتأكيداً بأن بلادي ستكون كذلك حين يكون وجود إسرائيل وأمنها مهددين». وزيادة في التعهد والتطمين، يضيف: «إن وجود إسرائيل غير قابل للنقاش وأمنها غير قابل للتفاوض». التزام يفوق بكثير إطار العلاقات الودية؛ وحتى علاقات التحالف. أشبه بصك موقّع على بياض.
دعوة صريحة، ولو غير مباشرة، - مع أنها ليست جديدة - ، موجهة لإسرائيل للاستقواء بدولة كبرى. وكأن الولايات المتحدة ، لا تكفي في هذا المجال. مع ذلك وبعد كل هذا الإغداق، يدعو الرئيس ساركوزي الإسرائيليين، إلى «تجاوز مخاوفهم»؛ وكأنهم هم المغلوبون على أمرهم والواقعون تحت الاحتلال؛ من أجل «السماح بإحلال السلام» (!)؛ مبدياً تعاطفه العميق معهم، لما ستقدمه إسرائيل من «تضحيات أليمة» (!) - وكأنها تتنازل عن حقوقها - تتمثل في «ضرورة تجميد الاستيطان».
كل هذه الديباجة والتعهدات، لمطالبة إسرائيل بأن تتكرم وتوقف بناء المستوطنات. لا إزالتها، ناهيك بلا شرعيتها. فهذه مطالب لا يستوي توجيهها إلى من يخاطب بلغة الاستئذان، لكي «يسمح» للعملية بأن تؤدي إلى إحلال السلام!
إسرائيل لا تحتاج إلى تشجيع ولا إلى تطمينات، أو مغريات؛ لتمضي نحو السلام. ضمانات الدعم والتسليح المتفوق والحماية، التي توفرها لها واشنطن، تغنيها عن أية تأكيدات أخرى؛ لو أرادت المضي في هذا السبيل. التجربة تؤكد وتبيّن أنه بمقدار ما كان يزداد منسوب الاحتضان لها؛ بقدر ما كان تخريبها لفرص وإمكانيات السلام، يتمادى وعدوانيتها تستشرس أكثر. منحى تعاطيها مع عملية السلام، منذ أوسلو، يشير بوضوح إلى هذه الخلاصة.
والرئيس ساركوزي يعرف ذلك جيداً. إسرائيل يلزمها، في ضوء التوازن الراهن، إلى ليّ ذراع كي تنصاع لمقتضيات السلام؛ لا إلى خطاب، ليس سوى نسخة طبق الأصل عن مقاربة واشنطن لهذا الصراع. وهي مقاربة ما أعطت من الطحين أكثر مما تعطيه طواحين الهواء.
