صمدت التهدئة في قطاع غزة وحوله حتى الآن وما يزال كثيرون يراهنون على انها لن تصمد وأن أصحاب المصلحة في ابقاء الحصار على قطاع غزة او الساعين لتصفية حسابات سياسية او الذين يرون في حرب واسعة على القطاع المثقل بسكانه وضائقتهم السكانية والاقتصادية والغذائية والاجتماعية وسيلة لوراثة ايهود اولمرت الذي أفل نجمه ويستعد لمغادرة موقعه بعد أن لاحقته الفضائح وانهارت شعبيته وسجل رقما قياسيا في أكثر رؤساء حكومات اسرائيل تدنت ثقة الجمهور بهم وهم في موقع المسؤولية..
التهدئة بين الانهيار والاستمرار، تحتاج إلى حكمة في التعاطي وهدوء في ردود الفعل وفراسة في قراءة الخطوة التالية على أي استفزاز او استدراج او محاولة لارجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل الساعة السادسة من صباح يوم الخميس الماضي (19/6) عند بدء سريانها بوساطة مصرية مكثفة ودؤوبة ومشكورة..
ليس من شك بأن التهدئة تشكل حاجة ملحة لأهالي القطاع الذين عانوا طوال عام ونيف من حصار ظالم ومحكم يخرج عن كونه مجرد عقوبات جماعية بل يقترب من مفهوم جريمة الحرب التي اخذت بعدها الآخر باستمرار القصف والاغتيالات وتجريف الاراضي الزراعية وهدم البيوت والاجتياحات والغارات الجوية واستهداف المدنيين..
استمرار التهدئة هو في كل الاحوال مصلحة فلسطينية ليس فقط بسبب الاختلالات العميقة في موازين القوى وفتور ردود الفعل الدولية على الدعوات لرفع الحصار وفتح المعابر وانما ايضا لأن موافقة اسرائيل على التهدئة لم يأت من فراغ بل شكل ذريعة لخطوتها التالية التي ترى انها حتمية وماثلة وهي القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق وصفها مسؤولون اسرائيليون بأنها ستكون حربا حقيقية، في حال تم خرق التهدئة وهنا تكمن المسؤولية السياسية والاخلاقية بعيدا عن لغة الشعارات والتصريحات الانفعالية وسخونة الرؤوس التي قد تجد في مجرد حصول التهدئة بمثابة كسر لارادة العدو واجباره على التسليم ''بموازين القوى'' الجديدة التي فرضتها المواجهات المستمرة..
الحكمة هنا تكمن في توظيف السياسي والدبلوماسي لصالح القضية الرئيسية وليس البحث عن شعبية فصائلية او تسجيل نقاط لهذا الخطاب او ذاك، والخطوة التالية فيما نحسب فلسطينيا هي التقدم بخطوات جادة ونيات صادقة وحقيقية نحو ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وانجاز مصالحة وطنية تنهض على نبذ العنف في حل الخلافات السياسية والاعتراف بالشرعية الفلسطينية القائمة على صندوق الاقتراع وعدم انتهاج أساليب الالغاء او الاقصاء او استخدام لغة التخوين واحتكار الحكمة والحقيقة والوطنية..
الوحدة الوطنية الفلسطينية هي السبيل الوحيد لسحب البساط من تحت أرجل اسرائيل المستمرة في الاستيطان وتهويد القدس والعربدة وفي الآن نفسه عدم السماح لها بايجاد أي ذريعة للقفز على التهدئة والشروع في حملة عسكرية تنقذها من ازماتها السياسية والحزبية وقضايا الفساد التي تلاحق بعض قادتها وفي الوقت نفسه ايقاع المزيد من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين العزل في القطاع الذي يعيش كارثة انسانية حقيقية..
