كان لابد أن يتصدى عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية لوقاحة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز حين انتهز فرصة لقاء الحائزين على جوائز نوبل في الأردن ليحول المناسبة إلى دعاية سياسية لإسرائيل في محاولة للتغطية على جرائمها النازية ومواقفها المعادية للسلام.
وبغض النظر عن المفارقة الصارخة في أن يكون مجرم حرب مثل شيمون بيريز بين الحائزين على نوبل فإن تصرفه في اللقاء كان نموذجاً للسياسة الإسرائيلية التي تجمع بين الوقاحة والغطرسة. وهكذا وقف ليتهم العرب بأنهم لا يعملون من اجل السلام، ويطالبهم بخطوات لكسر الجليد (!!) ومبادرات لحسن النية (تاني!!).
لقد رد موسى على وقاحة بيريز بأن إسرائيل لا تريد السلام. وانه مجرد أستاذ في الكلام، ونحن (يقصد العرب) لسنا مغفلين لنصدقك. نحن نريد فعلاً لا قولاً. والسجال يعكس صورة للتناقضات السائدة في الصراع.. بين القول والفعل، وبين القدرة والأمنيات، وبين الواقع والأوهام، ولكن للصورة وجه آخر لابد من أن نأخذه في الحسبان إذا كنا حقا نريد فعلاً لا قولاً.
فما قاله الرئيس الإسرائيلي هو استمرار لسياسة ثابتة لإسرائيل حققت لها حتى الآن أكثر مما تريد.. فهي تتحدث عن السلام بينما تمارس القتل وترتكب المذابح، وتدعو للتفاوض وهي تستمر في الاستيطان، وتعرف ـ ويعرف العالم ـ أنها تملك من القوة ما تهدد به المنطقة كلها ثم تصرخ طلباً للأمن.
ونحن – كما قال عمرو موسى – لسنا مغفلين لنصدق ذلك.. ولكننا – كما يعرف عمرو موسى وشيمون بيريز أيضاً – ضعفاء ومشتتون وبارعون في تبديد مصادر القوة التي نملكها لينتهي إلى أن نكون على الدوام مطالبين بالتنازلات، بينما العدو يتحدث عن السلام ويستمر في فرض الأمر الواقع!!
لقد تحدث عمرو موسى في مواجهته الشجاعة والضرورية لوقاحة الرئيس الإسرائيلي عن المبادرة العربية التي ردت عليها إسرائيل بالمزيد العدوان والقتل والحصار والتجويع، ولكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا فعلنا لتفعيل المبادرة؟ وهل امتلكنا استراتيجية لفرضها على الواقع باستخدام ما نملكه من إمكانيات وهي كثيرة ؟
الإجابة التي نعرفها ويعرفها عمرو موسى ويعرفها شيمون بيريز يكشفها المشهد العربي الذي تمزقه الخلافات والمحاور، فتكون النتيجة أن توضع المبادرة على الرف، ويذهب كل طرف عربي للتفاوض بمفرده، بل ويذهب أحياناً كل نصف طرف!! عربي للتفاوض كما ذهبت السلطة الفلسطينية وحدها وحماس وحدها لتتواضع الأهداف من تحقيق سلام عادل وشامل إلى اتفاق مبادئ هنا أو فتح معبر هناك!!
هذه الصورة الكئيبة لا تتوقف على المشهد مع إسرائيل فقط ولكنها تمتد لكل القضايا، حيث افتقاد الاستراتيجية العربية واستمرار الخلافات في المواقف تنعكس غياباً أو صداماً أو عجزاً.
وهكذا تجد الخلافات بين أطراف دولية وإقليمية حول لبنان طريقاً للتسوية، بينما تظل الخلافات بين دمشق من ناحية وبين القاهرة والرياض من ناحية أخرى تهدد بنسف المصالحة أو بتحويلها إلى هدنة مؤقتة تنتظر الانفجار إذا استمر الصراع العربي ـ العربي، وإذا تغيرت مواقف الأطراف الخارجية.
وهكذا يمضي العراق إلى سجن المعاهدة الأميركية التي تضعه تحت الاحتلال الدائم لعقود طويلة، وتمضي مخططات التقسيم في طريقها، بينما الرؤية العربية للتعامل مع الموقف غائبة، والسيناريوهات المطلوبة لإنقاذ العراق مفتقدة.
ويتصل بذلك الموقف من الأزمة حول الملف النووي الإيراني والتهديدات الأميركية الإسرائيلية، وبقاء كل الاحتمالات مطروحة. بين حرب سيكون لها نتائجها الكارثية على المنطقة أو تسوية لن تنحصر في الملف النووي بل ستمتد لدور إيران في العراق ومصالحها في المنطقة ونفوذها في الخليج.
ولسنا مغفلين ـ كما قال عمرو موسى ـ لنصدق ما يقوله شيمون بيريز عن السلام بينما الفعل الإسرائيلي يناقض ما يقوله. ولسنا مغفلين أيضاً لنصدق أن الهداية التي نزلت على أطراف خارجية لتحقق المصالحة في لبنان يمكن أن تحقق مصلحة لبنان والعرب الحقيقية في غياب توافق عربي لا عذر لأحد في تأجيله لأن الكل سيدفع ثمن الانفجار القادم إذا حدث لا قدر له.
ولسنا مغفلين لنصدق أن تأبيد احتلال العراق وفقاً للمعاهدة المطلوبة هو الذي يحقق مصلحة العراق، ولا أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يمكن أن تحقق مصلحة عربية، ولا أن ترتيب أمن المنطقة بمراعاة مصالح الأطراف الدولية والإقليمية وفي غياب العرب يمكن أن يضمن الاستقرار ويحقق الأمن للعرب.
ولسنا مغفلين لنصدق شيئاً من ذلك. ولكننا أيضاً لسنا مغفلين لنكتفي بكشف أكاذيب الآخرين ومخططاتهم، ودون أن ننتقل إلى الخطوة الأهم: أن نمتلك الرؤية الموحدة والواضحة للتعامل مع التحديات التي نواجهها، وأن نضع كل الإمكانيات التي نملكها ـ وما أكثرها ـ في خدمة استراتيجية عربية للأمن القومي تقاتل أطراف عديدة (دولية وإقليمية) من أجل ألا نمتلكها حتى تقرر مصير المنطقة ومصيرنا في غيابنا !!
كاتب صحافي مصري