لا نرى أي وجاهة في الاحتجاج بالعولمة في فض الخطر من والجود الطاغي للأجانب في بلادنا. فمفهوم العولمة يشير في الحقيقة إلى العملية التي تقوم بها الدول المتقدمة لتصدير مبادئها الثقافية والسياسية والاقتصادية إلى سائر دول العالم، مع اتباع الأساليب والطرق التي تؤدي إلى الدول الأضعف عن منظومتها الثقافية، والدخول في التبعية الاقتصادية والسياسية للدول الأقوى ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية. وعلينا أن نفكر بجدية عبر عدة محاور...

أولاً: كل أمة لها ثوابت ومتغيرات، ثوابت تشمل اللغة والدين والثقافة الوطنية والعادات والتقاليد الأصيلة، أما المتغيرات فهي تشمل وسائل الحياة وأدوات العيش والاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية. إن هذا التمييز ضروري؛ وللأسف فقد نسيه البعض في المراحل السابقة من تطور أمتنا الاتحادية، حتى صارت الثوابت عرضة للخطر تحت دعوات الانخراط في العصر والتفاعل مع العولمة.

ثانياً: يجب أن يكون الحفاظ على الهوية الوطنية على كل المستويات؛ ابتداء من اللغة والدين، وحتى السياسة والاقتصاد. وتدعيم الوعي الثقافي عند جماهير أمتنا الاتحادية حتى لا يقعوا في حالة من الهزيمة النفسية أمام العولمة المتوحشة. وحتى يدركوا أن ظاهرة العولمة بمعناها اللاإنساني الغربي ليست عملية إيجابية في كل جوانبها.

ثالثاً: التفاعل الحذر مع العولمة بالقدر الذي نستفيد معه من الانفتاح على الآخر، وفي الوقت نفسه تلاشي الجوانب السلبية في العولمة، حيث ينبغي الوعي بطبيعة العولمة، وبيان ما فيها من عوامل قد تؤثر على هويتنا الوطنية والثقافية والتاريخية واللغوية، ومقاومة ما فيها من مختلف الجوانب السلبية.

وفي الوقت نفسه، محاولة الاستفادة منها بما يقوّينا ويحولها إلى صالحنا.. فعلينا أن ندفع بمجتمعاتنا في اتجاه التفاعل المتحرّك مع المتغيرات المتسارعة حتى نفهم ما يجري حولنا ونستوعب التحولات الكبرى التي تعيشها الإنسانية في هذا العصر، وحتى لا نظل نشجب دون فاعلية وعمل.

رابعاً: استعادة ثقافتنا التاريخية واستحضارها لمعاودة الإسهام في الحضارة الإنسانية الجديدة، من موقعنا الثقافي المتميز وبخلفيتنا التاريخية وبهويتنا الحضارية المتفردة. وعملية استعادة التراث لا يجب أن تكون عشوائية، بل لابد أن تكون من خلال إستراتيجية عصرية، تأخذ من التراث ما يصلح للعصر وما ينسجم مع المجتمع الإلكتروني والتكنولوجي.

إن حقائق الأشياء تؤكد أن العولمة لا تمثل خطراً كاسحاً ومدمراً إلى على الشعوب والأمم التي تفتقر إلى ثوابت ثقافية، أما تلك التي تمتلك رصيداً ثقافياً وحضارياً غنياً، فإنها قادرة على الاحتفاظ بخصوصياتها والنجاة من مخاطر العولمة وتجاوز سلبياتها.

وتوجد شواهد كثيرة تشير إلى أن قوى العولمة المعاصرة ليست سوى امتداد عضوي وأيديولوجي لقوى الاستغلال والسيطرة والاحتواء وتعمل على تكريس التبعية من جانب الدول الأقل نمواً لتلك الأكثر نمواً، وإن كانت آليات تكريس التبعية قد اختلفت في ظل العولمة، من الاحتكار التقليدي، إلى اللجوء لسياسة الضغط الاقتصادي، فهذه حقيقة لا سبيل إلى إنكارها.

العولمة تم استغلالها من قبل القوى الاحتكارية الكبرى مع مطلع القرن التاسع عشر في الغرب، ولذا أصبحت هذه النزعة محملة بدلالات سلبية ومستهجنة؛ لأنها اتخذت كستار لتبرير الاستغلال الاحتكاري للعالم ولتسويغ هيمنة الثقافة الغربية على سائر الثقافات، وترسيخ المركزية الغربية وتهميش الثقافات الأخرى، وإلغاء سيادة الهوية الوطنية والعمل على تلاشيها، وإضعاف حركات الحفاظ على الذات لصالح السيطرة الغربية.

ومع بداية حرب الخليج الثانية رفع »بوش« الأب اسماً جديداً هو »النظام العالمي الجديد« لتبرير السياسات الاحتكارية الجديدة. ثم شاع إصطلاح العولمة لتبرير فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الغربية، وتحطيم الحواجز الجمركية للدول الضعيفة اقتصادياً وإغراقها بالبضائع المستوردة.

الأمر الذي يؤدي إلى تدمير قدرتها الاقتصادية أمام الشركات الغربية أو حتى الصينية واليابانية، مما يؤثر سلبياً على الصناعات الوطنية المحلية ويزيد من البطالة ويضعف موارد الدولة، والأمر لا يتوقف فقط عند الإغراق الاقتصادي، بل يشمل كذلك الإغراق الثقافي والقيمي، ويصحب ذلك كله محاولة من الغرب لفرض قوانينه من خلال إجبار الدول الضعيفة على توقيع اتفاقيات قانونية تحقق مصالحه، وعولمة القانون الغربي عبر الضغط على الحكومات لتغيير تشريعاتها من خلال اتفاقيات الشراكة أو القروض!

وهكذا فإن العولمة لا تمس فقط المجال الثقافي واللغوي والديني والحضاري، بل هي عملية معقدة تشمل كل الجوانب الاقتصادية والسياسية، وتمس إنتاج وتبادل المواد والخدمات، بل وعمليات اتخاذ القرار في كل الميادين، حيث استطاعت الدول الغربية فرض هيمنتها عن طريق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل وعن طريق القوة من خلال الأسلحة المتطورة، مما مكنها من التأثير على الأنظمة الأساسية في الاقتصاد والسياسة لدى دول العالم الثالث؛ ومن ثم زعزعة القيم الاجتماعية والثقافية، وفرض الكثير من قيم الحضارة الغربية على المستوى السياسي والمعرفي والإعلامي.

ولذا فالحديث عن العولمة الاقتصادية نراه ضروريا في سياق الحديث عن الهوية الوطنية؛ لأننا نعتقد أن الاقتصاد أصبح سبيلاً يسير فيه الغرب لفرض هيمنته الثقافية والحضارية، ومن ثم فإن التحرر الاقتصادي لدول العالم الثالث، ينبغي أن يحل محل الاهتمام الأول إذا ما كان لهذه الدولة عزم أكيد على الاحتفاظ بهويتها الحضارية ومقاومة الاندماج في المنظومة الثقافية للدول الاستعمارية.

إن العولمة الاقتصادية هي السبيل الذي تنتهجه الدول الغربية في فرض هيمنتها الثقافية والسياسية ولا شك أن عمليات فرض العولمة تترك وراءها سلبيات خطيرة لاسيما في المجال الاقتصادي. وفي هذا الصدد ينبغي إبراز خصائص العولمة الاقتصادية, هيمنة الشمال على الجنوب، حيث تحقق الدول المتطورة أكثر من ثلاثة أرباع التجارة العالمية، بينما تتزايد واردات المواد الاستهلاكية العادية والقادمة من الدول المتخلفة، نتيجة الزيادة السريعة والمتزايدة للتجارة الدولية ومنذ الحرب العالمية الثانية.

إن هذا لا يعني أننا ضد التجارة الدولية والسوق الحر في حد ذاتهما، بل نعني أنه لابد من ضوابط تحقق العدالة بجوار الحرية الاقتصادية، كنوع من المواجهة للعولمة الاقتصادية التي تعمل لصالح الغرب وحده، ونعتقد أنه من الضروري أن تلتفت حكومتنا الاتحادية إلى أن تطبيق مفهوم السوق الحر يجب أن يكون وفق ظروفها الخاصة الاقتصادية والتاريخية والثقافية ومن ثم يكون تفاعلها مع عصر العولمة بأقل الأضرار.

إن دولة الإمارات تؤمن عبر تاريخها الحديث بالدعوات غير المنحازة لوحدة الجنس البشري وحوار الحضارات وتكاملها في إطار من التنوع، وفق معايير عقلانية عادلة. وهذا يعني أنها مع العالمية الإنسانية ضد العولمة الاحتكارية المتوحشة للعالم.

فالعالمية الإنسانية لا تلغي بالضرورة الهوية الوطنية، بل هي فقط تحد من انغلاقها الثقافي، وتخفف من احتمالية وقوعها في الجمود المميت، بشرط أن يكون التفاعل مع العالمية في إطار التمسك بالثوابت الوطنية والتمييز بينها وبين المتغيرات.

مع التأكيد على أن السماح بتطوير المتغيرات لا يعني تركها عرضة للأهواء، بل لابد أن يكون بالقدر الذي يخدم المصالح الوطنية من جهة، وينسجم مع الأصالة الثقافية والحضارية من ناحية أخرى، ولا يتعارض مع الانتماء العربي والإسلامي من جهة ثالثة، حتى لا تنشأ إشكالية صراع بين القديم والجديد، وحتى لا ندخل في أزمة هوية من نوع آخر!!

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmail.com