ثروة النفط الخام، بمخزوناتها الاحتياطية الأسطورية، هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني العراقي، ولذا فان الاستيلاء على الصناعة النفطية العراقية كان في مقدمة الأهداف العظمى غير المعلنة من وراء حملة الغزو التي شنتها إدارة بوش الابن والتي أفرزت وجوداً احتلالياً على مدى السنوات الخمس الأخيرة.

من غير المتصور إذن أن يخلو مشروع «اتفاق الشراكة الاستراتيجية» المزمع توقيعه بين الإدارة الأميركية وحكومة نور المالكي من بنود تتيح لواشنطن التحكم المؤثر في إنتاج النفط العراقي لأغراض اقتصادية ـ سياسية.

لمدى عقود زمنية طويلة ظلت صناعة النفط الوطنية العراقية خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة. والآن فإن من المرجح ابتداءً، أن تعمد الولايات المتحدة إلى خصخصة هذه الصناعة تمهيداً لنقل السيطرة عليها إلى مجموعة شركات النفط الأميركية الكبرى إنتاجاً وتسويقاً.

اتفاق الشراكة سيجعل من القوة الاحتلالية الأميركية السلطة الحاكمة الحقيقية في العراق. وبطبيعة الحال فإن وضعاً كهذا سيؤدي إلى إنشاء علاقة تنسيقية بين هذه السلطة والشركات النفطية الأميركية بما يضمن لهذه الشركات أرباحها من ناحية ويوفر للسلطة الاحتلالية عائدات مالية تتصرف فيها كيف تشاء في إطار الإنفاق الداخلي بالمنح أو المنع.

لكن الأخطر من ذلك هو أن السيطرة الأميركية على صناعة النفط العراقية سوف تتيح للولايات المتحدة تحكماً من نوع آخر في سوق النفط الخام العالمية فعن طريق خفض أو رفع معدل الإنتاج النفطي العراقي تستطيع واشنطن أن تتحكم في آلية العرض والطلب على الصعيد العالمي..

وبالتالي في أسعار النفط تصعيداً أو تخفيضاً. وإذا نشأ وضع كهذا فانه سوف يتيح للولايات المتحدة أيضاً ممارسة ابتزاز سياسي بمستوى عالمي على الدول المستهلكة للنفط ـ خاصة ما يطلق عليه «الدول الصاعدة اقتصادياً» كالصين والهند التي يتنامى استهلاكها للنفط المستورد بإيقاع متسارع.

غير أن الأمر على الصعيد الخارجي لن يتوقف عند هذا الحد، وكما سبقت الإشارة فإن الولايات المتحدة تهدف من وراء مشروع الشراكة تقنين الوجود الاحتلالي الأميركي في العراق بصورة مستديمة مما سيشكل خطراً أمنياً وسياسياً على دول الجوار.. وبوجه أخص سوريا. فالوجود الاحتلالي الأميركي سوف يمهد لوجود استخباراتي إسرائيلي.

سوف يتحرك جهاز «الموساد» الإسرائيلي لإقامة قاعدة أمنية على الأراضي العراقية بهدف زعزعة الاستقرار في سوريا عبر الحدود وصولاً إلى الإطاحة بالنظام السوري الحاكم لاستبداله بنظام عميل لإسرائيل والولايات المتحدة. وبعد.. هل وضعت واشنطن في الاعتبار ردود الفعل العراقية المحتملة على صعيد الفئات الشعبية على غرار المقاومة الشرسة التي واجهت حملة الغزو.. ولا تزال تتفاعل؟

opinion@albayan.ae