بالإمكان القول إنه منذ تولي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سدة الرئاسة وفرنسا تسير في اتجاه مغاير لسياساتها المعهودة في الشرق الأوسط، فالرئيس ساركوزي استهل فترة حكمه بزيارة غير رسمية للولايات المتحدة لقضاء إجازته فيها وكذلك اللقاء بالرئيس بوش بصفة ودية، وهو ما يعد تغيراً هائلاً في النظرة الفرنسية تجاه نفسها فيما يخص علاقاتها بالعالم وخاصة الولايات المتحدة التي تعد نداً لفرنسا وخاصة فيما يخص سياسات الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس شيراك يعارض علانية سياسات الولايات المتحدة في المنطقة ذهب الرئيس ساركوزي إلى النقيض بتأييده القوي للولايات المتحدة وخاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني والسوري.

و ربما كانت محاولات ساركوزي هي لرأب الصدع بين ضفتي الأطلنطي بعد المعارضة الشديدة للرئيس جاك شيراك، على أمل اقتسام كعكة الشرق الأوسط مع الولايات المتحدة وهو الأمر الذي رحبت به الولايات المتحدة طالما وجدت الدعم الفرنسي لسياساتها.

وما غاب عن ذهن الرئيس ساركوزي في فهمه لمسرح الأحداث في الشرق الأوسط هو أن الطريقة الوحيدة لفرنسا كي تكسب جزءاً من اللعبة السياسية في الشرق الأوسط هي أن تكون في الخندق المواجه لأميركا. وهذا هو السبب في القبول الفاتر لدور الرئيس ساركوزي الشرق أوسطي من قبل دول المنطقة فالتبعية، للولايات المتحدة لن تفيد فرنسا في المنطقة.

و قد بدا هذا الأمر جلياً فيما يتعلق بالمسألة السورية حيث إن سوريا باعتبارها كانت تقع تحت الاستعمار الفرنسي تعد ضمن دائرة السياسات الفرنسية في المنطقة وكانت فرنسا دائماً تحاول لعب دور الوسيط أو المفاوض الأساسي فيما يتعلق بعلاقات سوريا والعالم وخاصة الأزمات الأخيرة بينها وبين الولايات المتحدة.

انضمام فرنسا للمعسكر الأميركي في المنطقة على حساب علاقاتها مع سوريا أضر كثيراً بوضع فرنسا وقدرتها على حل الأزمات في المنطقة وتسبب في مزيد من التعنت من الجانب السوري والذي كان يعول على فرنسا دوراً كبيراً.

لقد أظهرت الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل جانباً في سوريا غاب عن ذهن ساركوزي في قراءته للمنطقة وهو ما يحاول اليوم إصلاحه بالأخبار المتواترة عن دعوة الرئيس السوري بشار الأسد لفرنسا في 14 يوليو القادم لحضور احتفالية اليوم الوطني الفرنسي وكذلك بالإعلان الفرنسي عن احتمالية حدوث لقاء مباشر بين الرئيس الأسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت في فرنسا.

بهذه المحاولة يقوم ساركوزي بالانسلاخ من دائرة السياسات الأميركية في المنطقة ويعيد تجديد الدور الفرنسي المتوازن تجاه دول المنطقة وتجاه اللعبة السياسية في الشرق الأوسط.

ربما أدرك الرئيس ساركوزي أن تجميد العلاقات مع سوريا لن يحيدها عن مواقفها وأن الحوار هو أنجع وسيلة لنزع فتيل التوتر، وربما إذا استمعت الأصوات العاقلة في العالم لمطالب دول المنطقة وعلى رأسها المملكة الداعية لتهدئة المواقف والتصريحات المشحونة والضغط على إسرائيل لإيقاف سياساتها الإرهابية فلربما تشهد المنطقة عهدا من السلام والاستقرار. على فرنسا أن تعي أن لها إرثاً تاريخياً كبيرا في المنطقة ومن ثم فإن عليها أن تلعب دوراً أكثر إيجابية وجدية لحل أزمة الشرق الأوسط .