سردت في مقالين سابقين مسيرة المرتزقة ومسارهم منذ ظهورهم لأول مرة في تاريخ الإنسانية بجيش أحد ملوك مصر القديمة، وحتى منتصف القرن التاسع عشر الذي شهد توسعا في استعمال المرتزقة على يد الجمهورية الفرنسية الثالثة.
وقد شكلت فرنسا فرقة ضخمة من المرتزقة سميت «الفرقة الأجنبية» بلغ عدد جنودها نحو ثلاثين ألفا، استعملتها في اجتياح الجزائر عام 1830، وكان أغلب هؤلاء من المجرمين الباحثين عن مأوى. وواصل الفرنسيون اعتمادهم على المرتزقة فقاتلوا إلى جانب الجنود النظاميين في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وفي حرب فيتنام، حيث قاتلت فرقة المرتزقة ببسالة حتى انسحبت القوات الفرنسية من هناك عام 1954، فأعيدت تلك الفرقة إلى الجزائر وظلت هناك إلى أن أصدر الرئيس شارل ديجول قرارا بحلها وتسريحها عام 1959، فساحت عناصرها في افريقيا جنوب الصحراء التي كانت تشهد صراعات حادة أيامها، ووجد هؤلاء من بحاجة إلى طاقتهم وخبرتهم القتالية.
وحذت انجلترا حذو فرنسا في هذا الشأن. فرغم أن لندن حظرت استعمال المرتزقة بموجب قانون صدر عام 1870، فإن بعض مواده تركت عن قصد الباب مواربا أمام العودة إلى الاعتماد على الجنود المأجورين، حين استثنت مجموعة دول الكومنولث البريطاني إلا إذا صدر أمر خاص من ملك بريطانيا إلى الحاكم العام في أي من هذه الدول.
ومن هنا أتيح للسلطات البريطانية تشكيل فرق من جياع الهند، ووضعت ابتداء من عام 1904 خطة للارتقاء بمستواها القتالي، ثم أرسلتها إلى مختلف ميادين المعارك التي كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس مشتبكة فيها دفاعا عن ملكها المديد.
وكانت في طليعة تلك الفرق فرقة من نيبال أطلق عليها اسم «كمكثوا» كانت مدربة تدريبا متقدما أهلها لأن تكون بمثابة «قوات خاصة» تعمل في صفوف الجيش البريطاني. وقد قامت بريطانيا بتأجير بعض مرتزقتها إلى الدول حديثة العهد بالاستقلال، حتى تؤمن النخب الحاكمة هناك عروشها الجديدة، وكسبت لندن من وراء هذا أموالا وفيرة.
وكانت الفرقة الهندية السادسة في طليعة القوات البريطانية التي احتلت العراق، وحين راحت لندن توطد تواجدها العسكري على أرض الرافدين عقب الحرب العالمية الأولى، عمدت إلى تأسيس جيش كامل من المرتزقة عرف باسم «جيش الليفي» كانت أغلب عناصره من الأكراد والتيارية الذين جلبتهم بريطانيا إلى العراق من الخارج.
ووظف هذا الجيش في حماية بعض المعسكرات البريطانية، وذلك على غرار ما كان مطبقا في الهند آنذاك. وقد اتفق رئيس وزراء العراق نوري السعيد مع الإنجليز سرا على تشكيل حرس من قوات المرتزقة للقواعد الجوية البريطانية تتكفل الحكومة العراقية بنفقاته، فلما غادر الحكم طالب الإنجليز خلفه ناجي شوكت بالاستمرار في تنفيذ الاتفاق، لكن حكومته رحلت دون أن تبت في هذا الطلب.
ووصل الأمر إلى حد استقدام بريطانيا مرتزقة صهاينة إلى أرض العراق ليقفوا في وجه كفاح العراقيين لنيل استقلالهم، وكان هؤلاء ينتمون إلى منظمة أرجون الإرهابية، وساعدهم على دخول أرض الرافدين جلوب باشا القائد الإنجليزي الذي كان رئيسا لأركان الجيش الأردني، وقاده في حرب 1948 ضد العصابات الصهيونية في فلسطين.
ولما ظهرت الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى على المسرح الدولي سارت على الدرب نفسه، فاعتمدت على مرتزقة في حرب فيتنام، من بينهم طيارون تابعون لشركة «إير أميركا» كلفوا بتنفيذ هجمات استفزازية ضد مواقع في فيتنام الشمالية، ثم تم استعمال مرتزقة من الآسيويين لضرب أهداف هناك بدءا من 30 يوليو عام 1964، بغية استدراج الفيتناميين الشماليين إلى حرب واسعة النطاق، وهو ما تحقق بالفعل. وقد ظل المرتزقة يقاتلون إلى جانب القوات الأميركية حتى انتهت المعارك بهزيمتها النكراء عام 1975.
لكن واشنطن عادت إلى استعمال المرتزقة في صراعها ضد الاتحاد السوفييتي المنهار إبان الحرب الباردة، وكانت أنجولا ساحة لهذه العملية. فالأميركيون استعانوا بروبرتو هولدن زعيم الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، والذي كان صهر رئيس زائير (الكونغو الديمقراطية حاليا) موبوتو سيسيكو، فقام عن طريق مكتب له بلندن بتأجير مرتزقة كثيرين.
ودخل النظام العنصري الحاكم آنذاك في جنوب افريقيا على الخط وأرسل مرتزقة أفارقة وأوروبيين إلى رجلهم في أنجولا، وهو زعيم الاتحاد الوطني لاستقلال أنجولا جوناس سافيمبي. وكانت هذه العناصر جميعا بحاجة إلى قيادة فجاء دور عسكريين أميركيين متقاعدين باحثين عن المال أو متعطشين للقتال، وانضم إليهم مرتزقة بيض من جنوب أفريقيا وأوروبا.
وكان الجيش الأميركي وقتها ينشر إعلانات لجلب متطوعين ينضمون إلى صفوف المرتزقة برواتب مغرية، وقد تم تجميع من تقدموا في قاعدة سان دييجو وحملتهم الطائرات إلى أنجولا. ولم يعد تجنيد المرتزقة قاصرا على الدول أو القادة العسكريين الرسميين، بل بدأ الأمر يسند إلى شركات خاصة منذ منتصف سبعينيات القرن المنصرم.
ففي عام 1975 أسس ضابط بريطاني مطرود من الخدمة العسكرية يدعى جون بانكس شركة لتصدير المرتزقة تحت لافتة «المنظمة الدولية لخدمات الأمن»، لكن الظروف لم تسمح باستمرار هذه الشركة على قيد الحياة، لكنها سمحت باستمرار شركة مماثلة تم تأسيسها في الوقت ذاته على يد المرتزق العالمي بوب دينار تحت اسم «شركة ما وراء البحار للأمن والحماية».
وحسب دراسة الخبير العسكري العراقي حسن عبيد عيسى التي وسمها ب«المرتزقة الجدد»، فقد سار كثيرون على الدرب الذي سلكه دينار حتى وصل عدد هذه الشركات في العالم أجمع حاليا مئة شركة منتشرة في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، منها خمس وثلاثون شركة في الولايات المتحدة بمفردها، على رأسها شركة «بلاك ووتر» التي تمكنت من تجنيد ما بين خمسة عشر وعشرين ألف مرتزق للقتال إلى جانب القوات الأميركية في العراق، وهو ما سنتناوله بالتفصيل في المقال المقبل إن شاء الله تعالي.
كاتب وباحث مصري
