في بداية شهر يوليو القادم ستتولّى فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي لفترة النصف الثاني من السنة الجارية 2008. الرئاسة الفرنسية حددت أولوياتها المتمثّلة في الوصول إلى ميثاق حول الهجرة وتحديد سياسات للطاقة ومكافحة التغيرات المناخية وتطوير سياسات زراعية وغذائية مشتركة، وقبل كل شيء الدفع في اتجاه تعزيز مفهوم دفاعي أوروبي. هذه كلها أولويات «لا غبار عليها» في إطار منطق البحث عن التكامل الأوروبي.

بالمقابل لا شك أن الاتحاد الأوروبي يدخل في حالة تشوش جديدة بعد ال«لا» التي قالها الايرلنديون بأغلبيتهم ـ أكثر من53% ـ لاتفاقية برشلونة. كان رد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي سريعا إذ اعتبر أن ما جرى في ايرلندة «حدث طارئ» وينبغي السير قدما في التصديق على ما تمّ الاتفاق عليه في برشلونة «كي لا يتحول الحدث الايرلندي إلى أزمة» على حد قوله.

لكنه أشار في نفس السياق إلى أن الاقتراع الايرلندي «ليس صدفة وليس مفاجأة« وبالتالي ينبغي العمل بشكل أفضل و«بطريقة أخرى». طريقة أخرى ؛كيف؟.

مهما «هوّن» الرئيس الفرنسيون و«قلل «من أهمية الرفض الايرلندي للاتفاقية الأوروبية التي خرجت في برشلونة ب«عملية قيصرية»، كان هو مهندسها الرئيسي، فالأكيد الآن أنها لا يمكن أن تدخل حيّز التطبيق قبل المصادقة عليها من الدول ال27 المعنية بها كلها دون استثناء، هكذا جاء في نصوصها.

ثم ان ايرلندة هي الدولة الوحيدة بين هذه الدول التي يفرض دستورها اللجوء إلى استفتاء عام للموافقة على مثل هذه الاتفاقية أو رفضها. في بريطانيا، أحد البلدان الثماني التي لم تصادق بعد على اتفاقية برشلونة، كان تعليق المسؤولين هو التأكيد على ضرورة «احترام وهضم» ال«لا» الايرلندية، حسب تعبير وزير الخارجية دافيد ميليباند؛ ولكن أيضا التأكيد بنفس الوقت على ضرورة أن تتابع البلدان الأخرى مشاريعها في التصديق على اتفاقية برشلونة حسب البرنامج الزمني المقرر.

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل ترى أن عملا دبلوماسيا دءوبا يمكنه إن يقلب ال«لا» الايرلندية إلى «نعم». هذا إلى جانب تأكيدها على الانطلاق من الواقع الأوروبي «كما هو» بقصد الخروج منه «مع احترام اقتراع الايرلنديين». النوايا واضحة، ولكن ليس سبل العمل.

بكل الحالات يبقى فشل اتفاقية برشلونة في الحصول على تصديق الايرلنديين عليها هو فشل فرنسي بالدرجة الأولى، فالرئيس الفرنسي هو صاحب الشعار المعروف القائل «لقد توقفت أوروبا عن النظر إلى صرّتها كي تهتم أخيرا بكم ـ أي مواطنيها».

ولم يكل من الترديد أنه أخرج الاتحاد الأوروبي من المأزق الدستوري الذي كان الفرنسيون والهولنديون وراءه عندما رفضوا في الحالتين باستفتاء عام مشروع الاتفاقية الدستورية السابقة. لكن ها هو المأزق الدستوري «ينتصب» من جديد في وجه الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي بعد أيام.

صحيح أن الايرلنديين لا يشكلون سوى 1% «بالكاد» من مجموع ال490 مليون يشملهم إطار الاتحاد الأوروبي. وقد يبدو من المثير للجدل، وربما ل«الصدمة»، أن يستطيع 53% من سكان بلد لا يمثلون سوى 1% من المجموع العام كبح تطبيق اتفاقية برشلونة. لكنه «ال1% المعطّل» فالاتفاقيات تتطلّب بالضرورة توقيع جميع الأطراف عليها.

ثم إن ايرلندة انخرطت في مسيرة التوحيد الأوروبية منذ 35 سنة. ولا شك أن الايرلنديين قد جنوا فوائد كبيرة من انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي طيلة هذه ال35 سنة. لكن هذا لا يمنع أيضا واقع أنهم متمسكون جدا بسيادتهم الوطنية ومتمسكون كذلك بالامتيازات التي يتمتعون بها على صعيد الضرائب وغيرها.

ثم إن «لا» التي قالها الفرنسيون في عام 2005 وتبعهم الهولنديون عطّلت مشروع «الدستور الأوروبي السابق» الذي قامت على أنقاضه اتفاقية برشلونة. في مثل هذا السياق تفرض «السوابق» نفسها وقد يكون من أسوأ الأمور تجاهل الصوت الايرلندي على أساس منطق «حسابي» بحت بينما البشر ليسوا أرقاما.

الناخبون الايرلنديون بنسبة كبيرة منهم لديهم هموم تتعلّق بتعميق البعد الاجتماعي للاتحاد الأوروبي بينما تتطلّع الحكومة والشرائح العليا من صناعيين وغيرهم إلى جذب اكبر قدر ممكن من الاستثمارات والشركات الأجنبية بفضل التسهيلات التي توفرها التشريعات النافذة.

ولعل هذه الحالة ليست خصوصية ايرلندية. والايرلنديون ليسوا أقل «أوروبية» من نظرائهم في بلدان الاتحاد الأخرى. وهذه ليست المرة الأولى التي يقولون فيها «لا»؛ فقد قالوها سابقا حيال اتفاقية «نيس» عام 2001.بالتأكيد هناك مصالح خاصة لمجمل الأطراف. وهناك مسائل مطروحة على مسيرة التوحيد الأوروبية منذ بداياتها وفي مقدمتها مسألة الهوية والسيادة الوطنية.

هذه المسائل لا تمكن الإجابة عليها بطرق دبلوماسية وصياغة مشاريع دساتير واتفاقيات «تقنية» فقط. إن هذا كله لم يصمد أمام الامتحان الديمقراطي للاستفتاء الشعبي في الأمس واليوم. لعلّه كان ينبغي بالأحرى صياغة نوع من «العقد الاجتماعي الأوروبي» الذي ينضوي تحت جناحه أولئك الذين يوافقون عليه؛ المسائل التقنية تأتي لاحقا. مثل هذا التوجه تدعو له بعض الأصوات التي ترى أنه يتطلب بالتأكيد قدراً كبيراً من الشجاعة ومن المراجعات العميقة.

ال«لا» الايرلندية تؤكد على وجود حالة من الاستياء الأوروبي بل وربما من «الطلاق» بين أوروبا الرسمية ومواطنيها. وهذا قد يجعل من الصعوبة، إذا لم يكن من التهور، الانتقال إلى «السرعة الأعلى» في الاندماج الأوروبي وكأن شيئا لم يحدث.

والقمة الأوروبية في بروكسل في 20 ـ 21 من هذا الشهر مكرّسة للاستماع إلى شرح رئيس الوزراء الايرلندي، الذي «ناضل» من أجل ال«نعم»، ولمناقشة سبل الرد على اقتراع أغلبية الناخبين الايرلنديين ب«لا» لاتفاقية برشلونة.

بعض الأصوات تقول بضرورة إعادة الاقتراع بعد حين، كما حدث في عام 2001 عندما جرى تنظيم استفتاء جديد في العام التالي. مثل هذا الاحتمال صعب، بل ومستحيل نظرا للنسبة العالية للرافضين هذه المرّة، كما عبّر وزير الخارجية الايرلندي نفسه عندما قال: «بالنسبة لي اتفاقية برشلونة قد ماتت». بكل الحالات هناك الآن سؤال كبير مطروح على المسؤولين الايرلنديين فيما سيفعلونه في الوضع «العالق» الذي وضعهم فيه ناخبوهم؟

وفي مثل هذا السياق لن تكون الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي اعتبارا من مطلع الشهر القادم وحتى نهاية السنة سهلة. إن مفاوضات صعبة ستعرفها الأشهر القادمة من أجل تقديم الردود المناسبة على رفض الايرلنديين لاتفاقية برشلونة.

وستكون فرنسا على الخط الأول في هذه الجبهة من موقع رئاسة الاتحاد ولكن أيضا من موقع «راعية»، ان لم تكن «صاحبة»، هذه الاتفاقية. وهناك جبهة أخرى «متصدعة» ستكون فرنسا فيها أيضا على الخط الأول، انها جبهة «الاتحاد من أجل المتوسط» الذي دعا له الرئيس الفرنسي عشية انتخابه رئيسا للجمهورية في العام الماضي.

كاتب سوري

opinion@albayan.ae