تشكل الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تجرى كل أربع سنوات، أهم حدث على الإطلاق في الولايات المتحدة، لكنها لا تشغل اهتمام الرأي العام الأميركي بصورة مكثفة فقط، بل تكاد تشغل الرأي العام العالمي بدرجة أو بأخرى في العديد من قارات العالم، خاصة في المناطق التي تشهد صراعات أو قضايا دولية تكون أميركا طرفا فيها.

وهذا أمر طبيعي لأن الولايات المتحدة التي تملك أكبر قوة عسكرية واقتصادية وإعلامية على وجه الأرض، تمثل القوة العالمية العظمى الأولى في هذا القرن، وهي بإستراتيجيتها الإمبراطورية للهيمنة على العالم، وبتمددها الاستراتيجي وبنفوذها السياسي والاقتصادي، وبقواتها ومغامراتها العسكرية، تسعى لأن تجعله قرنا أميركيا.

وربما نبدو في الشرق العربي والإسلامي بصفة خاصة أكثر اهتماما من غيرنا من مناطق العالم، نتيجة للتورط الأميركي المباشر في قضايانا المصيرية كفلسطين والعراق والصومال والسودان في المنطقة العربية، وفي أفغانستان وباكستان وإيران في المنطقة الإسلامية من هذا الشرق.

فأميركا وليس غيرها هي الحليف الاستراتيجي للعدو الصهيوني الذي يحتل فلسطين العربية والجولان السورية وشبعا اللبنانية، والذي يشكل مصدر التهديد النووي الأخطر على العرب والمسلمين، ويرتكب أبشع الجرائم العدوانية ضد الإنسانية في الأراضي المحتلة بدعم ومباركة أميركية.

ولأننا كعرب ومسلمين الأكثر تعرضا للظلم والعدوان الأميركي، بالرغم من أن شعوبنا لا تعادي الشعب الأميركي الذي سحب ثقته من إدارته الحالية وعبر عن رفضه أكثر من مرة لسياسة بوش الحربية العدوانية خاصة ضد العراق والقوى التحررية العربية، ولكنها تعادي السياسة الإمبراطورية الأميركية نتيجة للعداء والجهل والغباء السياسي الذي يمارس ضد قضايا شعوبنا الإنسانية العادلة.

ولأننا الأكثر اشتباكا والأكبر تضررا من السياسة الحربية الأميركية المناقضة لقيم الشعب الأميركي، والمعبرة عن مصالح أصحاب الصناعات العسكرية والاحتكارات النفطية، والمنحازة مع الدعاوى الصهيونية وضد الحقوق العربية والإسلامية بل ضد الشرعية الدولية، وشاهد الزور على كل ما ترفعه من شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة والحقوق الإنسانية.

وحين تساند إدارة أكبر قوة دولية في العالم إسرائيل في الاحتلال والعدوان على فلسطين، والتي من أجلها قامت بتدمير القوة العراقية وباحتلال العراق العربي خارج قرارات الشرعية الدولية، وذلك بهدف تأمين إسرائيل على حساب أمننا، وللسيطرة على نفط الخليج، تكون هي التي اختارت وضع نفسها في معسكر العداء لشعوبنا، بالشراكة الاستراتيجية السياسية والعسكرية مع العدو الإسرائيلي وبالاحتلال العدواني العسكري غير المشروع للعراق، وبالاتفاقية الأمنية غير المشروعة التي تحاول فرضها بالإذعان على الحكومة العراقية في محاولة لتقنين هذا الاحتلال.

من هنا يأتي اهتمامنا كعرب بالانتخابات الرئاسية الأميركية بين «أوباما» مرشح الديمقراطيين الذي يبشر بالتغيير و«ماكين» مرشح الجمهوريين الذي يهدد بالاستمرار، آملين ـ حينما لا نملك سوى الأمل ـ أن تأتي النتائج بقيم جديدة وسياسة جديدة تنقذ أميركا من سياسة أميركا، لأن من ينقذ أميركا ينقذ العالم أيضا من شرور السياسة العدوانية الأميركية.

سياسة تغيير جديدة تعبر عن القيم الحقيقية للشعب الأميركي الرافضة للعدوان والداعية إلى الحرية والحقوق الإنسانية، تقف مع المبادئ قبل المصالح ومع العدالة ضد الظلم، بما ينهي حالة العزلة والكراهية الشعبية العالمية لسياسة بوش الحالية، وبما يعيد تصحيح الصورة الأميركية، ليفتح الطريق لعالم أكثر عدلاً وبالتالي أكثر أمناً وسلاماً.

mamdoh77t@hotmail.com