التهدئة بين إسرائيل و«حماس»، بأحسن أحوالها، لحظة التقاط أنفاس. طبيعتها الأمنية، الجزئية والمؤقتة؛ تضعها في هذه الخانة. إسرائيل تقبّلتها على مضض. الوضع الفلسطيني السابق للهدنة مثالي، بالنسبة لها. لم تهبط عليها الرغبة بوقف النار، تعففاً.
ظروف حكومة أولمرت، وحسابات دفن المفاوضات مع تفخيخ الساحة الفلسطينية من جديد، كلها حكمت عليها الدخول بهذه المعادلة. لكن إلى حين. من اليوم، هي تمهد لرجوع «حليمة إلى عادتها القديمة». التعقيبات والتصريحات الرسمية الإسرائيلية، تنطق بذلك.
الحكومة الإسرائيلية وافقت على التهدئة، من باب أنها «أهون الشرور». رئيسها، يقول إنه «ليس لديه أوهام حول هشاشة»، هذا الإجراء. يرجح أنها هدنة «قصيرة الأمد». والجيش الإسرائيلي «تلقى الأوامر بالتحرك في حال الفشل»، كما قال. كلام يكشف المضمر ويرمي إلى تحضير الأجواء سلفاً؛
كل ذلك يرتب على الجانب الفلسطيني، صواب التحرك وسرعته. هامش الوقت ضيّق. وإسرائيل بالمرصاد. غزة ستجني الاستفادة المبكرة والمباشرة، من الوضع الناشئ. التهدئة، توفر لها فك حالة الضيق الخانقة التي تسبب به الحصار. تعطيها مساحة للملمة أوضاعها.
بيد أن هذه الحلحلة النسبية، على أهميتها، آنية. عدا عن كونها مهدّدة. وحتى لو طال أمدها واجتازت فترتها المحدّدة، ستة أشهر، هي تبقى كذلك. المكسب الأهم والبعيد المدى، الذي يمكن تحقيقه، يكون فقط في تجيير هذا الفاصل، لصالح انجاز الوفاق الوطني. خاصة وأن الأجواء ممهدة. فقبل إعلان الهدنة كان الرئيس عباس قد دعا إلى حوار وطني مفتوح مع «حماس»؛ لقي الترحيب من جانب هذه الأخيرة. واكبت ذلك أجواء من الانفتاح والرغبة في إعادة النظر في المواقف.
الخطاب المتداول، في الآونة الأخيرة؛ يشي بوجود ما ينم عن حاجة، لدى الجانبين، للمراجعة. وكأن في ذلك إقراراً، ولو ضمني، بأن التوجهات والمراهنات، من هنا وهناك، خلال العام الماضي؛ كانت في غير محلها؛ بأحسن الحالات.
إذا كان هذا هو واقع الحال الفلسطيني، فعلياً وليس تكتيكياً ـ وهذا ما ينبغي أن يكونه في ضوء التجربة ـ؛ عندئذ تبقى الخطوة التالية والمستعجلة، في عقد الحوار والوصول به إلى خواتمه المنشودة والطبيعية. التهدئة تقدم فرصة وتطرح التحدّي. وليس أمام الفلسطينيين غير التقاطها. أي خيار آخر خطأ، بل خطيئة.
