تجتهد المجتمعات، على اختلاف توجهاتها وطاقاتها وإمكاناتها، في تحسين حياة الأطفال، وفي حل مشكلات الطفولة، وإتاحة الفرصة للصغار أن يعيشوا حياة أفضل ممن سبقهم، وأن ينالوا حظا أوفر من الرعاية والاهتمام، ويقع هذا الاهتمام في صلب التخطيط الاستراتيجي للتنمية والتطوير؛

إذ لا يمكن لأي خطة تنموية تتجاهل الطفولة أن يكتب لها النجاح، وأن تحقق أهدافا نوعية لها القدرة على التغيير والتحسين؛ فكثير من الدول تخصص الميزانيات الضخمة من أجل تمكين الأطفال من خبرات جديدة متنوعة توفر لهم فرصا لا حصر لها للاكتشاف والتعلم والاستمتاع والانخراط في أنشطة مدروسة تبني شخصياتهم، وتصقل مواهبهم، وتساعدهم ليتعرفوا إمكاناتهم وقدراتهم.

ولا تقف هذه الجهود على المؤسسات المدرسية والتثقيفية على اختلافها، بل إنّ الأسرة تعد عاملا جوهريا لا غنى عنه في تمكين الصغار من مصادر المعرفة، وفي ربطهم، منذ الصغر، بعناصرها المختلفة التي تكبر معهم وتصبح جزءا أساسيا من تكوينهم العقلي والعاطفي.

وإذا كانت كل الأنشطة المخصصة للأطفال على اختلافها كما ونوعا مهمة، ولها دور محدد في تحسين حياة الصغار ومساعدتهم على اكتشاف الحياة والناس، وتمكينهم من بناء معارفهم الخاصة، فإن القراءة تعد النشاط الجوهري الذي لا غنى عنه لكل طفل، وقد تكون النشاط الوحيد الذي يرافق الصغير في حياته، فلا تنقطع صلته بها، ولا تتوقف الفائدة منها والاستمتاع بها عند عمر أو حدّ.

وقد يتساءل المرء، وهو بصدد الحديث عن الطفل العربي، عن حظ القراءة في حياة الأطفال العرب، ودورها، بوصفها النشاط الأكثر أهمية، في تثقيفهم وتنمية معارفهم وصقل خبراتهم البسيطة المتنامية مع الزمن، خاصة وأننا نعيش الآن في زمن يختلف عن زمن أجدادنا وآبائنا الذين كان الكتاب عزيزا صعب المنال في حياتهم.

فلا شك أنّ ما يناله أبناؤنا من فرص للقراءة والحصول على الكتب بأنواعها المختلفة لا يمكن أن يقارن بفرص الأجيال التي سبقتهم. ومع ذلك فإن نتائج الدراسات حول واقع القراءة في حياة الطفل العربي تعطينا صورة قاتمة، وتضع أمامنا تحديا كبيرا نحتاج للتغلب عليه إلى تضافر الجهود وإخلاص النوايا والعمل الجاد المستمر.

وأشير هنا إلى دراسة منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) في عام 2000 حول علاقة الطفل العربي بالكتاب، وعلاقته بالقراءة بوصفها نشاطا من الأنشطة الأساسية في حياة الأطفال؛ فقد بينت الإحصائية التي نشرتها المنظمة أنّ متوسط الوقت المخصص للقراءة الحرّة في حياة الطفل العربي لا يزيد على ست دقائق في السنة!!!

والمقصود بالقراءة هنا القراءة خارج المنهج الدراسي. وتشير الدراسة إلى أنّ عدد المطبوعات الجديدة المخصصة للطفل العربي لا يتجاوز 400 كتاب في السنة، في حين يصل الرقم إلى 13260 كتابا للطفل الأميركي، و3838 للطفل البريطاني، و2118 للطفل الفرنسي، 1340 للطفل الإيطالي، و1485 للطفل الروسي.

وكتب بعضهم أن عشرين عربياً يقرؤون كتاباً واحداً، بينما يقرأ كل بريطاني سبعة كتب، أي ما يعادل ما يقرأه 140 عربياً، ويقرأ كل أميركي أحد عشر كتاباً أي ما يعادل ما يقرأه 220 عربياً. وعلى الرغم من أنّ هذه الأرقام تحتاج إلى تدقيق فإنها، مع ذلك، تبقى مؤشرا خطيرا يعكس واقعا صعبا للغاية، ويقف حائلا منيعا أمام كل المقولات التي تتغنى بالتطوير والقفز السريع إلى الأمام في واقع تتسابق فيه الأمم لامتلاك مصادر القوة بامتلاك عناصر المعرفة والتمكن منها.

والحقيقة أننا قد لا نحتاج إلى أرقام ودراسات إحصائية لنعرف واقع العلاقة بين أبنائنا والكتاب إذا قارناه بواقع علاقتهم بالتلفاز والألعاب الالكترونية وغيرها من الأنشطة التي تستهلك وقتهم وطاقاتهم من دون مردود حقيقي يسثتمر حياتهم ومواهبهم، ويمكنهم من ممارسة الاكتشاف الممتع والاندهاش أمام كنوز المعرفة والخبرات الإنسانية الغنية.

ولا شك أنّ هذا الحظ الضئيل للقراءة في حياة أطفالنا يغذيه حظ ضئيل آخر للقراءة في حياتنا، إذ كيف لنا أن نطمح أن يكون صغارنا قراء، يقبلون على الكتاب ويجدون فيه متعتهم وزادهم، وهم لا يرون فيمن حولهم من يجسد لهم هذه الصورة، ويطبعها في أذهانهم على أنها نشاط جميل له متعته الخاصة، وعالمه الساحر الذي لا يضاهيه شيء آخر مما اعتاد عليه الناس ونشئوا؟

وإن المرء ليأسف على كثير من الأطفال وهو يراهم ويسمعهم يتحدثون في شؤون تنبئ عن طبيعة حياتهم في المستقبل، وعن طبيعة اهتماماتهم وأنشطتهم التي سيكرسون لها وقتهم وجهدهم. والمؤلم أنّ الأمر لن يتوقف عندهم، بل سيستمر في دائرة تتوالد وتمتد.

ولذلك فإن أي جهود تبذل لتغيير هذا الواقع حول علاقة الطفل العربي بالكتاب والقراءة الحرّة لابد أن تبدأ بالأسرة، لأنها المحيط الأول الذي يبدأ فيه الطفل عملية الاكتشاف وترتيب الأولويات، وهو المكان الذي تترسخ فيه الكثير من العادات في حياة الصغير، والتي تصعب بعدها محاولات التغيير.

فعلى الأب والأم تقع مسؤولية تعزيز ميل الصغير نحو الكتاب، وتوجيهه إلى تقدير عالم الكتب ومحبتها والارتباط بها. والبيت الذي لا يرى فيه الصغير شخصا عاكفا على كتاب يقلب أوراقه ويقرأ فيه بهدوء منقطعا عن العالم من حوله لن يكون قادرا على أن يقنع الصغير بعد ذلك بأنّ هذا الكتاب له دور مهم في حياته.

ولا شك أنّ واقع القراءة في العالم العربي تتداخل فيه عوامل كثيرة معقدة، لا يمكن أن تختصر في هذا المقال، ولكن يكفي هنا أن أشير إلى ما قرأته مرة حول ما صرح به نجيب محفوظ من أنّ العوائد المالية للطبعة الفرنسية للثلاثية تجاوز العوائد المالية للطبعات العربية كلها. ولذلك فإن الأرقام التي ذكرتها سابقا، رغم الصدمة التي تحدثها، قد لا تجاوز الحقيقة ولا تكذب الواقع.

ومع أنّ المرء يحتاج دائما إلى أن يرى الجانب الآخر من المسألة، وألا يقلل من الجهود المشكورة المبذولة لتحسين واقع العلاقة بين الطفل العربي والكتاب فإن هذه الجهود تحتاج إلى الكثير من الدعم والتشجيع. وأكثر ما نحتاجه للنجاح في هذه المساعي أن نبدأ، كما قلت، من الأسرة، البيت الصغير الذي يخرج منه الطفل إلى العالم الكبير.

جامعة الإمارات

tfibrahim@yahoo.com