أيعقل أن يسمح صحافي لنفسه أن ينقل خبراً مهماً وحساساً يمس أمن دولة بكاملها دون التأكد من المعلومات والتفاصيل والأرقام و دون الذهاب إلى موقع الحادث والاتصال بأكثر من جهة لتدقيق وتمحيص معلوماته، وأن يستجوب شهود عيان للتأكد من المعلومات التي يقدمها للجمهور محلياً وعالمياً، أم أن عامل الإثارة والغرابة ودافع السبق الصحافي والشهرة هم أهم من أخلاقيات وشرفه ومبادئ العمل الإعلامي.
الخبر يتعلق بانفجار قنبلة في محطة مسافرين خلفت عشرين قتيلاً حسب الصحافي. الغريب في الأمر أن القنبلة لم تنفجر أساساً ولم يكن هناك هجوم على المحطة ولا أموات ولا جرحى. لكن الخبر والذي نقلته واحدة من أهم وكالات الأنباء العالمية انتشر بسرعة فائقة وتداولته الفضائيات العالمية ومختلف وسائل الإعلام في ربوع المعمورة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أين المهنية وأين الحرفية وأين الالتزام بأبجدية العمل الإعلامي والرسالة الشريفة التي تؤمن بها مهنة الصحافة.
أبجدية العمل الإعلامي تملي على الصحافي أن يتأكد من الخبر قبل نشره من أكثر من مصدر والتنقل إلى مكان الحادث إذا كان الأمر خطيراً ويتضمن خسائر بشرية ومادية كبيرة وله انعكاسات معتبرة على الأفراد والمجتمع بأسره. ولإعطاء الحدث حقه، من واجب الصحافي استجواب الجهات المعنية بالحدث والحاضرين أثناء الحدث والمتضررين منه...الخ.
أن ينشر الصحافي الخبر بمجرد أن جهة أو شخصاً اتصل به بهدف السبق الصحافي ولأن الخير يحتوي على الإثارة وعلى عمل إرهابي وإجرامي وعلى قتلى وضحايا وجرحى فهذا يعني في أبجدية أخلاقيات العمل الصحافي خيانة لرسالة مهنة الصحافة وانتهاكا للمصداقية والموضوعية والالتزام واحترام الحقيقة واحترام ثقة الجمهور. تصرف مراسل الوكالة العالمية الشهيرة يعتبر اعتداء على المصداقية وعلى الثقة التي وضعها الجمهور من قراء ومشاهدين ومستمعين في الصحافي الذي ينقل لهم الخبر.
خطأ الصحافي بشأن الخبر المتعلق بانفجار قنبلة في محطة للمسافرين بمدينة البويرة الجزائرية قبل أسبوع يعد مؤشراً خطيراً على ما وصلت إليه مهنة الصحافة في الكثير من دول العالم وعند الكثيرين ممن يوظفون مهنة الصحافة ليس لخدمة الحقيقة، بل لخدمة مصالح ضيقة لجهات لا يهمها سوى المتاجرة بأرواح الأبرياء والحروب والفتن والنزاعات.
فالبحث عن الشهرة والسبق الصحافي والإثارة والغرابة وأخبار الجرائم والفتن والإرهاب لا يجب أن يكون في أي حال من الأحوال على حساب شرف المهنة وعلى حساب تقديم الحقيقة للرأي العام لا غير دون تلاعب ولا مزايدات ولا مساومات ولا أفكار مسيقة ولا نوايا سيئة ولا أهداف تكون بعيدة عن أخلاقيات ومبادئ العمل الإعلامي الشريف والملتزم والمسؤول والموضوعي والنزيه.
التلاعب بعواطف الناس وشعورهم وطمأنينتهم واستقرارهم والتلاعب بالأمن القومي للدول ليس من صلاحيات ومهام الصحافيين ووكالات الأنباء العالمية. هذه السلوكيات والتصرفات لا تشرف مهنة الصحافة ورسالتها التي تتمثل في تقديم الحقيقة وليس تقديم الإشاعة أو خليط من المعلومة والدعاية والتضليل والتزييف. بل أكثر من ذلك نلاحظ هذه الأيام تلاعب وسائل الإعلام بعقول الناس لإرضاء حفنة من الأشخاص الذين يتاجرون بدماء وأرواح الأبرياء.
حادثة مراسل وكالة الأنباء في الجزائر تطرح قضية مهمة جدا تتعلق باستراتيجية التعامل مع المعلومة الأمنية وإشكالية التعامل مع الأعمال الإرهابية. نقرأ في المقولة المشهورة في علم الاتصال ان «إذا انعدمت المعلومة انتشرت الإشاعة، وهذا يعني أن أحسن طريقة لمحاربة الإشاعة والدعاية والتضليل هي أن نوفر المعلومة ونقدمها للجمهور بعيدا عن أي نية للتعتيم أو إخفاء الحقائق ومصادرة حق الجمهور في المعلومة والمعرفة، ومصادرة حرية الصحافة وحرية الرأي وتكميم وسائل الإعلام.
وهذا يعني أن الجهات المسؤولة عن الأمن الإعلامي في أي بلد مطالبة بأن تكون جريئة ومسؤولة وتضع استراتيجية واضحة للتعامل مع أخبار الجرائم والإرهاب وتوفيرها أول بأول لوسائل الإعلام المحلية والدولية حتى تقدمها للرأي العام وبالسرعة الفائقة. في الكثير من الأحيان يكون المسؤول عن التضليل والتزييف وتضخيم الأخبار الجهات الرسمية في الدولة التي لا تملك استراتيجية للتعامل مع اتصالات الأزمات وأخبار الأعمال الإرهابية.
يعتبر الخبر في المجتمعات الديمقراطية والمتقدمة حق من حقوق المواطن ومن واجب الدولة أن توفره للفرد في المجتمع حتى يكون على دراية بما يجري من حوله وعلى استعداد لاتخاذ القرار السليم المبني على المعلومة الصحيحة والدقيقة. وهنا يجب أن نقر بأن السلطات في العديد من الدول العربية والنامية ما زالت لا تعرف كيف تتعامل مع الصحافيين ووسائل الإعلام بطريقة منهجية ومنتظمة وعلمية بهدف أن لا تترك الأمور دون تنظيم وتصبح موضوعا للتلاعب والتضليل والتزييف.
من جهة أخرى نلاحظ، ومع الأسف الشديد، ضعف المهنية والحرفية عند بعض الصحافيين، كما نلاحظ اهتمامهم الكبير والمبالغ فيه بكل ما هو إثارة وجرائم وقتل وسفك للدماء، بالإضافة إلى الركض وراء السبق الصحافي والشهرة والعالمية على حساب الصدق والأمانة وشرف المهنة والإخلاص للحقيقة.
هذه الظواهر المؤسفة يدفع ثمنها الرأي العام وتكون ضحيتها الحقيقة والنتيجة النهائية هي المزيد من الصور النمطية والأفكار المسبقة وسوء التفاهم وانعدام الحوار والتعايش السلمي وانعدام الإعلام الملتزم والمسؤول، الإعلام الذي يجّنب الشعوب الحروب والنزاعات والجهل والفقر.
ما نلاحظه هذه الأيام هو نوع جديد من الإعلام، إعلام يتهافت على التلاعب بالعقول وعلى التضليل والتزييف والتعتيم وصب الزيت على النار بدلا من نشر ثقافة التعايش السلمي والحوار والتفاهم من أجل عالم تسوده السعادة والطمأنينة والأمن والاستقرار.
جامعة الشارقة