أصدرت مؤسسة «راند» الأميركية المستقلة تقريرا هاما يتناول الأوضاع في أفغانستان بعنوان «مواجهة التمرد في أفغانستان» أكد تدهور الأوضاع فيها. ويقر بشكل صريح الصعوبات الهائلة التي تواجهها الحكومة وقوات التحالف في أفغانستان.
ويتأسس التقرير على أن الأهمية المطلقة في مواجهة التمرد في أفغانستان تكمن في العمل على مساعدة الحكومة الأفغانية وقواتها الأمنية وبشكل خاص قوات الشرطة. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذا التصور قد ارتكز على تحليل لتسعين تمرداً منذ العام 1945 وحتى الآن.
أظهر هذا التحليل أن نجاح أو فشل الجهود المضادة لأي تمرد تعتمد على ثلاثة متغيرات أساسية هي: كفاءة قوات الأمن المحلية وبشكل خاص قوات الشرطة الحكومية، الحكومة المحلية، وأخيرا الدعم الخارجي للمتمردين بما في ذلك توفير المأوى لهم.
وفي ضوء هذه المتغيرات الثلاثة يرى التقرير أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمكنهم أن ينجحوا في مواجهة التمرد في أفغانستان إذا ما ساعدوا في تطوير قوات الأمن المحلية وجعلها أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة حركة طالبان والموالين لهم في أفغانستان.إضافة إلى ذلك مساعدتهم الحكومة الأفغانية وتمكينها من فرض سلطتها الشرعية على القوى المختلفة داخل الحدود الأفغانية، وأخيرا العمل على تقليل الدعم الخارجي للمتمردين.
ويركز التقرير على أهمية دعم الحكومة الأفغانية ومنحها الشرعية الكاملة، وهو الأمر الذي يتعارض مع ما قامت به القوات الأميركية من غزو لأفغانستان وتقويض للشرعية الأفغانية. إن التدخل الأميركي واستمراره يؤدي لا محالة إلى الانتقاص من شرعية الحكومة الأفغانية وتدهور صورتها في عيون المواطنين الأفغان.
وهو الأمر الذي يفسر تصاعد التمرد ضد الحكومة الأفغانية الذي يظهر من خلال تزايد حركات التمرد التي شملت حزب الإسلام، وشبكة الحقاني، والمحاربين الأجانب، والقبائل المحلية، والعديد من المنظمات الإجرامية، إضافة بالطبع إلى حركة طالبان.
وعلى مستوى قوات الأمن، يرى التقرير من خلال العديد من الزيارات واللقاءات التي تمت مع المسؤولين الأفغان انتشار الفساد بشكل كبير بين أفراد الشرطة الأفغانية، وضعف كفاءة هذه القوات إضافة إلى ضعف مخصصاتهم المالية والتجهيزات الخاصة بهم والتي تكفل لهم حفظ الأمن وتعقب قوات التمرد. كما يشير التقرير إلى أن هذه القوات تدين بالولاء للقادة المحليين أكثر من ولائها للحكومة المركزية.
ويرى التقرير أن قوات الشرطة الأفغانية لم تحصل على الاهتمام الكافي منذ بداية التمرد، حيث اعتمدت المواجهات على القوات العسكرية الموجهة ضد حركة طالبان وغيرها من الحركات الأخرى بدون أن تعي الأهمية القصوى للاستقرار والأمن الداخليين. وهو الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للعمل على تطوير قوات الشرطة منذ العام 2005 من أجل ضمان الاستقرار الداخلي، وهو أمر يحتاج لقرابة عقد من الزمان حتى يمكن ضمان الارتكان إلى قوات شرطة متطورة وقادرة على فرض الأمن الداخلي.
وعلى مستوى تقوية وتدعيم الحكومة المحلية، أكد التقرير ضعف الحكومة الأفغانية وبشكل خاص في المناطق الريفية. فوفقاً للبحوث الميدانية فإن التنمية لم تصل لمستويات جدية في شرق وجنوب أفغانستان بسبب التدهور الهائل للأوضاع الأمنية. كما أن المؤسسات الرسمية والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية لم تمس جهودها حتى الآن المنطقتين الشرقية والجنوبية من أفغانستان.
إن نجاح مواجهة التمرد في أفغانستان تعتمد بالدرجة الأولى على امتداد التنمية للمناطق الريفية الأكثر فقرا، وليس على تركيزها في المناطق الحضرية، وبشكل خاص في كابول. وأخيرا يؤكد التقرير ضرورة العمل على إزالة الدعم الخارجي للمتمردين الذي يتلقونه من باكستان.
فالفشل في مواجهة هذه الدعم سوف يعيق جهود الاستقرار وإعادة البناء في أفغانستان. فوفقا للتقرير فإن نجاح كل تمرد في أفغانستان منذ عام 1979 اعتمد على إيواء باكستان والمساعدات التي يتلقاها المتمردون من الحكومة الباكستانية.
إن أهمية التقرير تنبع من استقلالية مؤسسة راند من ناحية ومن تأكيدها على أن نجاح الحرب في أفغانستان يجب أن يعتمد سياسات شمولية أخرى لا تركز فقط على القوة المسلحة والتدخل الأمريكي وإقصاء الحكومة المحلية. كما إن التقرير لا يتجاهل أهمية المواجهة الشاملة التي تعتمد على الأمن الداخلي ودور الحكومة المحلية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية والتعاون الدولي في مواجهة التمرد في أفغانستان.
من الغريب في الأمر أن صدور هذا التقرير يأتي متواكبا مع نجاح حركة طالبان في إطلاق سراح ما يتجاوز ألف سجين من الأفغان التابعين لها في ضربة تعتبر الأشد قسوة، وربما تعد انقلابا لمسيرة الحرب على الإرهاب التي أطلقتها أميركا منذ سبع سنوات ولم تنته حتى الآن.
من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت الحكومة الأميركية الحالية وهي تودع البيت الأبيض سوف تدرك أهمية تقرير مؤسسة راند، لكن حتى يتم ذلك سواء منها أو بواسطة الحكومة التالية، فإن الأمر الذي لا يمكن تجاوزه أن الأوضاع سوف تزداد تدهورا في أفغانستان، وأن عودة طالبان ربما تكون مسألة وقت!!
كاتب مصري
