الزيارة التي قامت بها الوزيرة رايس إلى بيروت، كانت مفاجئة بتوقيتها وبالرسائل التي حملتها. وصولها جاء في لحظة بدا لبنان فيها يدنو، ولو ببطء السلحفاة، من الانفراج. وفي ذات الوقت هو يتعثر في تشكيل حكومته الجديدة.؛ وفق اتفاق الدوحة.

وضعه الداخلي ما زال بين مدّ وجزر. هبّة باردة وهبة ساخنة. رايس القادمة أصلاً إلى المنطقة، لمتابعة الملف الفلسطيني الإسرائيلي - الذي بعد تسع زيارات لها لم يتقدم بوصة واحدة إلى الأمام -، هبطت بغتة في بيروت. المباغت أكثر، كان إعلانها بأن «الوقت قد حان لتسوية قضية مزارع شبعا»؛ وأن «الولايات المتحدة تدعم إيجاد حل لها، وفق القرارات الدولية». استعادة المزارع من إسرائيل، ولو لوضعها في عهدة الأمم المتحدة وحتى إشعار آخر، مطلب ومكسب.

إزاحة الاحتلال الإسرائيلي عن هذا الشريط من الأرض اللبنانية، أمر يدعو إلى الترحيب به. ولو أن استرجاعه قد تأخر، بالرغم من وجود قرارات دولية تؤكد على وجوب رحيل إسرائيل عنه من زمان. لكن السؤال يبقى: لماذا الآن؟ لماذا لم يحن وقت استعادته قبل هذه المحطة؟

ما يحمل على طرح أسئلة من هذا النوع، ليس فقط دقة اللحظة اللبنانية الراهنة وهشاشتها؛ بل أيضاً السوابق. فالتحرك الأميركي يحصل عند المفاصل الحساسة. وبصيغة تكفل صب الزيت على النار. أو في أقلّه، تكفل زيادة التأزم والتعقيد، وبما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الأطراف اللبنانية المتصارعة. و«الصحوة» المفاجئة اليوم على مزارع شبعا، تستحضر هذا التوجه.

واليوم تمر عملية تركيب الحكومة، في حالة من الانسداد. قد يطول وقد يقصر. حتى الآن الطريق لا تزال غير سالكة. تعذر التوفيق بين المطالب المتضاربة، حول الحقائب والتوزير. الحساسيات عالية. وكذلك درجة سرعة العطب. خاصة حيال الرسائل، التي قد تنطوي عليها مواقف خارجية، هي في حصيلتها ايجابية، لو تحققت؛ كالذي أفصحت عنه الوزيرة الأميركية. أي إذا كانت هذه المواقف من النوع الهادف إلى سحب بساط من هنا، أو اللعب بأوراق من هناك؛ بغرض إعادة التعكير والالتهاب، إلى الساحة.

وهنا تبرز مسئولية الأطراف اللبنانية، في إحباط مثل هذه الغايات والتعامل مع الظرف بما يفوت الفرص على التلاعب؛ ويحصد الجوانب الإيجابية والعملية في هذه المواقف. والترجمة المباشرة لذلك تتمثل في العمل على تسهيل وتسريع تشكيل الحكومة الجديدة.

بذلك يتحقق قطع الطريق على محاولات التخريب على الأجواء التي أعقبت الدوحة، إذا وجدت. وفي ذات الوقت تتحقق المنفعة الوطنية، في استعادة المزارع؛ في حال كانت واشنطن جادة. الحذر مطلوب، بقدر ما هو مرغوب اغتنام الفرصة الجديدة، بخصوص المتبقي من الأرض اللبنانية المحتلة.